الفصل السادس عشر: السودان في أفريقيا
فهرس الرؤية
تقديم
الجزء الأول: النداء
الجزء الثاني: التشخيص
الجزء الثالث: الرؤية
- الفصل الرابع: السودان الذي نريد
- الفصل الخامس: المبادئ الاثنا عشر للعهد الجديد
- الفصل السادس: الثوابت ومساحات الحوار
الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني
- الفصل السابع: الحرب والسلام
- الفصل الثامن: الحوار الوطني السوداني–السوداني
- الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
- الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني
- الفصل الحادي عشر: خارطة طريق التحول المدني الديمقراطي (2027–2034)
الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة
- الفصل الثاني عشر: الاقتصاد
- الفصل الثالث عشر: التعليم والعلوم والتكنولوجيا
- الفصل الرابع عشر: الصحة وصحة البيئة
- الفصل الخامس عشر: القضايا الاجتماعية
الجزء السادس: السودان والعالم
الجزء السابع: الأسئلة الصعبة
الجزء الثامن: الميثاق والدعوة
الملاحق
- الملحق الأول: الجدول الموحد للأهداف الكمية
- الملحق الثاني: جدول المسؤوليات والجهات المنفّذة
- الملحق الثالث: المؤتمرات القومية المقترحة
- الملحق الرابع: السيناريوهات الثلاثة وأثرها
- الملحق الخامس: المصطلحات والمفاهيم
- الملحق السادس: المصادر والمراجع
- الملحق السابع: خريطة الأقاليم الستة
- الملحق الثامن: ميثاق العهد الجديد — نص التوقيع
- الملحق التاسع: تقدير الكلفة ومصادر التمويل
- الملحق العاشر: دارفور وكردفان — إطار خاص
- الملحق الحادي عشر: الدخل الأساسي المضمون — التفاصيل
- الملحق الثاني عشر: الوثائق والمشاريع التشريعية المرافقة
- الملحق الثالث عشر: مؤشرات القياس القطاعية
المبدأ الحاكم للفصل: إن السودان دولة أفريقية موقعاً وهويةً ومصلحة. وهذه ليست عبارة وجدانية، وإنما قراءة استراتيجية: عمقنا الأمني أفريقي، وأسواقنا المستقبلية أفريقية، وتحالفاتنا الأقدر على حمايتنا أفريقية. والدولة التي أدارت ظهرها لقارتها سبعين عاماً دفعت ثمن ذلك عزلةً حين احتاجت السند.
16.1 تصحيح تاريخي
16.1.1 الازدواجية التي عطّلتنا
لقد حكمت الوعي الرسمي السوداني ازدواجية مزمنة بين انتماء عربي مُعلَن وانتماء أفريقي مُهمَل. ولم تكن هذه الازدواجية فكرية فحسب، وإنما كانت سياسة: أهملت الاستثمار في العلاقات الأفريقية، وأدارت ظهرها لمؤسسات القارة، وتعاملت مع الجوار الأفريقي كمصدر تهديد لا كفرصة.
والنتيجة العملية: حين اندلعت الحرب، وجد السودان نفسه بلا شبكة سند أفريقية مبنية، وبلا رصيد دبلوماسي في القارة يوازن الضغوط.
16.1.2 إعادة التعريف
السودان:
- ثالث دول أفريقيا مساحة (1,861,484 كم²)، وله حدود مع سبع دول.
- دولة جسر: بين أفريقيا جنوب الصحراء وشمالها، وبين القارة الأفريقية والعالم العربي عبر البحر الأحمر.
- بوابة بحرية للدول الحبيسة في وسط أفريقيا وشرقها.
- حضارة ممتدة: من كوش ومروي، وهي حضارات أفريقية خالصة سبقت كل ما جاء بعدها.
التحول المستهدف: من دولة مزعزِعة للأمن الإقليمي (يُتدخَّل في شؤونها وتتدخل في شؤون غيرها، ويُفرض عليها الحصار، وتنتشر فيها البعثات، وتُعقد حولها المؤتمرات الأجنبية) إلى دولة مُعزِّزة للاستقرار تصدّره لجوارها بدل أن تستورد الفوضى منه.
وهذا التحول ليس طموحاً رمزياً: الدولة التي تعزز الاستقرار ترفع مكانتها التفاوضية وتكتسب شرعية دولية تُترجَم إلى دعم سياسي وشراكات اقتصادية. والسودان الذي يساهم في أمن القرن الأفريقي وحوض النيل ومنطقة الساحل يصبح دولة لا يمكن تجاهلها أو عزلها.
16.2 الاتحاد الأفريقي
- استعادة العضوية الفاعلة والدور المؤثر، لا الحضور الشكلي.
- آليات السلم والأمن الأفريقية: الانخراط في مجلس السلم والأمن، والاستفادة من آليات الوساطة، مع التمسك بمبدأ عدم التدخل مقابل مبدأ عدم اللامبالاة الذي يجيز التحرك في حالات الجرائم الجسيمة.
- أجندة 2063: مواءمة خطط التنمية الوطنية مع الأجندة القارية، ما يفتح أبواب التمويل والشراكة.
- الترشح للمواقع القيادية في الاتحاد ومؤسساته ولجانه الفنية، وهو ما يتطلب استثماراً مسبقاً في الكوادر والعلاقات، وليس حملة لحظية عند كل انتخاب.
- البرلمان الأفريقي: استعادة التمثيل السوداني فيه فور تكوين الجمعية التأسيسية الانتقالية.
- المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب والمصادقة على بروتوكولاتها.
16.3 التكامل الاقتصادي القاري
16.3.1 منطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA)
ماذا تعني للسودان عملياً؟ سوق قارية تضم أكثر من مليار وثلث المليار نسمة، بتخفيض تدريجي للتعريفات على أغلب السلع. وهي فرصة هائلة وخطر في آن:
- الفرصة: أسواق للحوم والحبوب والصمغ العربي والزيوت ومواد البناء، بلا حواجز جمركية.
- الخطر: اقتصاد لا يصنّع سيتحول إلى سوق لمنتجات غيره. فالانضمام بلا استعداد صناعي يُفرغ الاتفاقية من فائدتها.
الاستعداد المطلوب: تحديث الجمارك ورقمنتها، ومعايير الجودة والمواصفات، وشهادات المنشأ، وسياسة صناعية تحمي القطاعات الناشئة في فترة التحول، وربط لوجستي فعلي.
16.3.2 الممرات والربط
| الممر | الوظيفة |
|---|---|
| بورتسودان – تشاد – أفريقيا الوسطى | منفذ بحري للدول الحبيسة ومصدر دخل عبور ضخم |
| الممر الشمالي – الجنوبي (مصر – السودان – جنوب السودان – شرق أفريقيا) | ربط قاري طولي |
| السودان – إثيوبيا – جيبوتي | تكامل تجاري وربط بالموانئ البديلة |
| الربط السككي والبري الإقليمي | إحياء الخطوط القديمة وبناء وصلات جديدة |
| الربط الكهربائي | تبادل الطاقة مع إثيوبيا ومصر وجنوب السودان وتشاد |
والسودان كبوابة بحرية للدول الحبيسة هو أحد أقوى أوراقه الاقتصادية والدبلوماسية غير المستثمرة إطلاقاً.
16.3.3 التجمعات الإقليمية
- الإيقاد (IGAD): إصلاح الآلية وتفعيل دورها في الأمن والمياه والرعي العابر للحدود.
- الكوميسا (COMESA): تفعيل العضوية والاستفادة من ترتيباتها التجارية.
- تجمع الساحل والصحراء: بوابة لغرب أفريقيا.
- مبادرات حوض النيل: بمقاربة تعاونية تحمي حقوق السودان.
16.3.4 الأفق المالي القاري
أتابع باهتمام النقاشات القارية حول التكامل النقدي والمالي الأفريقي، من مؤسسات التمويل القارية إلى المقترحات المتعلقة ببنية نقدية أفريقية أكثر استقلالاً. وموقفي: الانخراط في هذه النقاشات بوصفنا طرفاً فاعلاً لا متلقياً، مع تقييم كل مقترح بمعيار المصلحة السودانية والجدوى الفنية، ودون أوهام عن سرعة التحقق.
16.4 القرن الأفريقي والساحل
16.4.1 إثيوبيا
ملفان معقدان وعلاقة لا غنى عنها:
- سد النهضة والأمن المائي: ملف وجودي للسودان. مقاربتي: تفاوض فني على قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات، وربط أي ترتيب مائي بالتعاون الكهربائي والتجاري، والبعد عن التصعيد الخطابي الذي لا يغيّر الوقائع. والتعاون في تنظيم انسياب المياه بما لا يضر حقوق السودان هو الصيغة التي أعمل عليها.
- الفشقة: أراضٍ سودانية خصبة احتلتها مليشيات منذ التسعينيات. الاستراتيجية: التوثيق الكامل للحدود التاريخية وتقديمه للمحافل الدولية، ومسار دبلوماسي متعدد عبر الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وتعزيز الوجود الأمني لمنع أي توسع إضافي، وربط الاتفاقيات التجارية والمائية بتقدم ملموس في الملف.
- التجارة والتكامل: حجم تبادل كبير وممكن، وربط كهربائي، وتنقل سكاني حدودي، وكل ذلك مصلحة متبادلة وليس منّة من أحد.
- عدم الاستقرار الداخلي الإثيوبي وتداعياته على السودان: لجوء، وتسرب سلاح، وامتداد نزاعات.
16.4.2 إريتريا
جار مباشر بحدود طويلة وتاريخ متقلب. الأولوية: علاقة مستقرة قائمة على عدم التدخل المتبادل، وتعاون أمني حدودي، وتجارة، وتنسيق في ملف البحر الأحمر.
16.4.3 جنوب السودان
أقرب الجيران وأعمقهم صلة. وأقف على أرضية:
- توثيق العلاقات مع شعب جنوب السودان وجمهوريته، كإخوة في السودانية وجيران ربطت بيننا أواصر الوطن المشترك لمئات السنين.
- الدعوة إلى اتحاد كونفيدرالي بين البلدين كأفق استراتيجي.
- تفعيل الحريات الأربع فوراً (حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك)ومن طرف واحد إذا استدعى الأمر.
- إدارة ملفات النفط ورسوم العبور والحدود بمنطق تجاري وقانوني، وليس بمنطق سياسي.
- ترسيم الحدود العالقة وأبيي بالتفاوض.
16.4.4 تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا
- الحدود السودانية-التشادية (نحو 1,300 كم) من أكثر الحدود انكشافاً أمنياً في المنطقة، وهي شريان تهريب السلاح والذهب.
- التنسيق الأمني الحدودي المشترك، ودوريات مشتركة، وتبادل معلومات.
- الحاميات الحدودية كأداة سيادية وتنموية في آن.
- التنمية الحدودية، فالحدود التي يعيش سكانها بلا خدمات يديرها المهربون وليس الدولة.
- ليبيا: التعامل مع الفوضى جنوبها ومسارات التهريب عبرها، مع الانفتاح على كل الأطراف الليبية المستقرة.
16.4.5 وجود القوى الخارجية في الإقليم
وجود شركات عسكرية خاصة وقوى دولية في مالي وأفريقيا الوسطى وتشاد أضاف طبقة من التعقيد الجيوسياسي على الجوار الغربي. وموقفي: رفض أن يتحول السودان إلى ساحة لهذه التنافسات، وبناء تفاهمات إقليمية تقلل من فرص استخدام الأراضي المجاورة ضدنا.
16.5 البحر الأحمر
16.5.1 الرؤية
البحر الأحمر بحيرة سلام وأمن وتعاون بين دول المنطقة، لا ساحة نفوذ بالوكالة لقوى تقع خارجه أو تتعارض مصالحها جوهرياً مع مصالح الدول المشاطئة له.
16.5.2 تحديات أمن البحر الأحمر
للبحر الأحمر نقطتا تحكم: قناة السويس شمالاً، ومضيق باب المندب جنوباً. وأي اضطراب عند إحداهما ينعكس فوراً على التجارة العالمية وأمن الطاقة وأمن الدول المطلة عليه.
وتشهد المنطقة في السنوات الأخيرة عسكرة متزايدة لسواحلها وجزرها وموانئها: قواعد ومنشآت لأطراف من داخل الإقليم وخارجه، بعضها بواجهات استثمارية ولوجستية؛ ونزاعات مسلحة على الضفتين في اليمن والقرن الأفريقي؛ ومحاولات لشرعنة كيانات انفصالية. وفي هذا السياق، فإن أي سيناريو لتقسيم السودان إلى سلطتين، أو لفرض نفوذ أجنبي على ساحله وميناء بورتسودان، سيجعل البلاد جزءاً من معادلة تنافس لا تخدم أحداً من شعوب المنطقة.
16.5.3 إطار تعاون إقليمي لأمن البحر الأحمر
أقترح أن يعمل السودان مع الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن (وفي مقدمتها مصر والسعودية وإريتريا والصومال واليمن وجيبوتي والأردن) على تفعيل إطار تعاون إقليمي يقوم على:
منع عسكرة الجزر والموانئ خارج الأطر السيادية لدولها.
دعم وحدة الدول المطلة واحترام سيادتها، ورفض شرعنة الكيانات الانفصالية.
تنسيق أمني بحري: تبادل المعلومات، ودوريات مشتركة، ومكافحة القرصنة والتهريب.
تكامل اقتصادي ولوجستي بين الموانئ والممرات.
موقف دبلوماسي منسّق في المحافل الدولية.
16.5.4 لا قواعد عسكرية أجنبية
رفض أي شكل للوجود العسكري الأجنبي في البلاد، بما في ذلك القواعد العسكرية، من أي دولة كانت. وهذا موقف مبدئي لا يخضع للمساومة مهما كان المقابل، لسببين: أنه تخلٍّ عن السيادة، وأنه يدخلنا في صراعات المحاور الدولية ونحن في غنى عنها.
وبناء قوة بحرية سودانية متوسطة قادرة على تأمين المياه الإقليمية والساحل، وتطوير ميناء بورتسودان.
16.6 القوة الناعمة السودانية في أفريقيا
- التعليم: استعادة دور الجامعات السودانية في استقبال الطلاب الأفارقة، وقد كانت لعقود إحدى أهم قنوات النفوذ السوداني في القارة، وخريجوها اليوم في مواقع قيادية في عشرات الدول.
- الصحة: التبادل الطبي، والتدريب، والحملات المشتركة ضد الأمراض المستوطنة.
- الخبرة الزراعية والرعوية: نقل التجربة السودانية في الزراعة المطرية وتربية الماشية.
- الثقافة واللغة والتراث المشترك: الموسيقى والأدب والطرق الصوفية والتاريخ المشترك.
- الديمقراطية: انخراط السودان الديمقراطي في شبكات دعم التحول الديمقراطي في القارة، وهذا بالذات ما يحوّل نجاحنا الداخلي إلى رصيد خارجي.
إن الوحدة الأفريقية لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالأفعال، والفعل الأكثر إقناعاً هو نجاح السودان في بناء نفسه.
16.7 الرؤية الأفريقية بعيدة المدى
أقف مع وحدة أفريقيا، وأسعى إلى تطوير الاتحاد الأفريقي على غرار الاتحاد الأوروبي، بحيث:
- تُلغى الحدود في أفريقيا تدريجياً.
- تتطور البنية التحتية القارية.
- يكون للناس حق العمل والتنقل والتملك في أي بقعة أفريقية.
- يتأسس سوق واحد للعمل والسلع.
- وصولاً إلى جيش أفريقي موحد وجواز سفر أفريقي موحد وعملة أفريقية واحدة.
وعلى المدى القريب: سياسة تأشيرات سودانية منفتحة على الأفارقة، والاعتراف المتبادل بالشهادات، وتسهيل انتقال رجال الأعمال والطلاب.
16.8 «تحالف دول العهد الديمقراطي»
أجدد الدعوة، التي طرحتُها في برنامجي السابق، إلى قيام تحالف دول العهد الديمقراطي: تحالف بين الدول التي تنتهج الديمقراطية نظاماً للحكم، وتحترم حقوق الإنسان، وتقر الحريات الأساسية لمواطنيها، في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط.
أغراضه الثلاثة:
تمتين التعاون بين الدول الديمقراطية في المنطقة في كل المجالات.
المساهمة الفاعلة في دعم الديمقراطية في أفريقيا والشرق الأوسط.
المساهمة في المؤسسات الدولية بصوت موحد يعبر عن الدول الديمقراطية في المنطقة.
وهذا الطرح يكتسب راهنية مضاعفة اليوم: فالتجربة تُظهر أن الدول الديمقراطية أقل ميلاً إلى تصدير الفوضى إلى جوارها، وأكثر التزاماً بقواعد حسن الجوار.
