عهد جديد

الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة

الفصل الثاني عشر: الاقتصاد

فهرس الرؤية

تقديم

  1. الفصل الأول: عن المؤلف

الجزء الأول: النداء

  1. الفصل الثاني: لماذا نحتاج إلى عهد جديد؟

الجزء الثاني: التشخيص

  1. الفصل الثالث: الواقع الراهن — كيف وصلنا إلى هنا

الجزء الثالث: الرؤية

  1. الفصل الرابع: السودان الذي نريد
  2. الفصل الخامس: المبادئ الاثنا عشر للعهد الجديد
  3. الفصل السادس: الثوابت ومساحات الحوار

الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني

  1. الفصل السابع: الحرب والسلام
  2. الفصل الثامن: الحوار الوطني السوداني–السوداني
  3. الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
  4. الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني
  5. الفصل الحادي عشر: خارطة طريق التحول المدني الديمقراطي (2027–2034)

الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة

  1. الفصل الثاني عشر: الاقتصاد
  2. الفصل الثالث عشر: التعليم والعلوم والتكنولوجيا
  3. الفصل الرابع عشر: الصحة وصحة البيئة
  4. الفصل الخامس عشر: القضايا الاجتماعية

الجزء السادس: السودان والعالم

  1. الفصل السادس عشر: السودان في أفريقيا
  2. الفصل السابع عشر: العلاقات الخارجية

الجزء السابع: الأسئلة الصعبة

  1. الفصل الثامن عشر: أسئلة صعبة وإجابات صريحة

الجزء الثامن: الميثاق والدعوة

  1. الفصل التاسع عشر: كتلة العهد الجديد — دعوة مفتوحة
  2. الخاتمة: الرهان الكبير

الملاحق

  1. الملحق الأول: الجدول الموحد للأهداف الكمية
  2. الملحق الثاني: جدول المسؤوليات والجهات المنفّذة
  3. الملحق الثالث: المؤتمرات القومية المقترحة
  4. الملحق الرابع: السيناريوهات الثلاثة وأثرها
  5. الملحق الخامس: المصطلحات والمفاهيم
  6. الملحق السادس: المصادر والمراجع
  7. الملحق السابع: خريطة الأقاليم الستة
  8. الملحق الثامن: ميثاق العهد الجديد — نص التوقيع
  9. الملحق التاسع: تقدير الكلفة ومصادر التمويل
  10. الملحق العاشر: دارفور وكردفان — إطار خاص
  11. الملحق الحادي عشر: الدخل الأساسي المضمون — التفاصيل
  12. الملحق الثاني عشر: الوثائق والمشاريع التشريعية المرافقة
  13. الملحق الثالث عشر: مؤشرات القياس القطاعية

إن الاقتصاد السوداني لا يحتاج «إصلاحاً» بالمعنى المعتاد، لأن الإصلاح يفترض جسماً سليماً يعمل بشكل سيئ. أما ما نواجهه فهو انهيار شامل في بلد خارج من حرب، وعلاجه يمر بثلاث خطوات: إنعاش عاجل، ثم إعادة بناء، ثم قفزة. ومن يطبق وصفات التنمية العادية على اقتصاد منهار يضيّع السنوات الأولى، وهي أثمن السنوات.

12.1 من يربح ومن يخسر؟

إن كل إصلاح اقتصادي حقيقي يغيّر توزيع المكاسب والخسائر، ومن الصدق أن أقول ذلك صراحة. فلن نبني اقتصاداً جديداً بإعادة توزيع الامتيازات القديمة.

من سيخسر امتيازاته؟ الشركات المملوكة للأجهزة العسكرية والأمنية التي تعمل خارج رقابة المالية والضرائب؛ وشبكات تهريب الذهب والموارد؛ والمحتكرون الذين يعيشون على الرخص الحصرية والإعفاءات والقرب من السلطة؛ والفاسدون في الجهاز الحكومي؛ ومن استولوا على الأراضي بالقوة أو بالتخصيص الفاسد.

ومن سيربح؟ المنتج الصغير (المزارع والراعي والحرفي) حين يجد تمويلاً وطريقاً وسوقاً بلا جبايات؛ ورجل الأعمال الملتزم بالقانون حين يجد منافسة عادلة وقضاءً سريعاً؛ والموظف والمعلم والطبيب حين تُدفع رواتبهم كاملة من إيرادات حقيقية لا من طباعة النقود؛ والأقاليم حين تحصل على نصيب معلن من ثرواتها؛ والفقراء حين تصلهم الحماية الاجتماعية مباشرة.

وكيف ندير التحول؟ بتدرج معلن، وشبكة حماية للأضعف من آثار إصلاح الأسعار، وشفافية كاملة في البيع والعقود، وقانون يُطبَّق على الكبير قبل الصغير.

12.2 أين نقف اليوم؟

(الأرقام الكلية من البنك الدولي، أبريل 2026، وبقيتها من وكالات الأمم المتحدة ومن دراستي «القفزة الاقتصادية السودانية 2025–2035». وهي تقديرات في بيئة حرب تغيب فيها الإحصاءات الموثوقة.)

المؤشر القيمة
الناتج المحلي 2025 60.2 مليار دولار
النمو −29.4% (2023)، −14% (2024)، +3.1% (2025)
الإيرادات العامة 4.2% من الناتج، نحو 2.5 مليار دولار فقط
التضخم 111.5% في المتوسط خلال 2025
الدين العام 128.5% من الناتج
الاحتياطي الأجنبي يغطي نحو شهر واحد من الواردات
الوظائف المفقودة أكثر من 5 ملايين
الصادرات تراجعت إلى نحو 2.4 مليار دولار

الزراعة، التي تشغّل أغلب السودانيين، تضررت في أهم مناطقها: انخفض إنتاج الحبوب بنحو 80% في دارفور وكردفان، وتراجع قطن الجزيرة إلى أدنى مستوى منذ تأسيس المشروع عام 1925. والصناعة انهارت: أكثر من 70% من المصانع متوقفة أو مدمرة، ومنها مصانع الأدوية. والذهب يُهرَّب منه جزء كبير (بين الثلث وأكثر من النصف بحسب التقديرات) بخسارة سنوية للخزينة بين مليار و2.5 مليار دولار (تقديرات دراسة «القفزة الاقتصادية السودانية» وتقارير دولية عن تهريب الذهب). والكهرباء شحيحة وغالية، والسدود تعمل بأقل من نصف طاقتها. والبنوك فقدت مليارات من أصولها، وأكثر من 80% من العملة خارج الجهاز المصرفي.

لكن التعافي ممكن رغم كل ذلك. فالسودان يملك أكثر من 100 مليون فدان صالحة للزراعة لا يُستغل منها إلا خُمسها، ويجلس على واحد من أغنى الأقاليم الجيولوجية في العالم، وله ساحل على البحر الأحمر وحدود مع سبع دول، وشباب متعلم، ومهجر واسع (تقديرات رسمية متداولة). وقد أجبرت الحرب ملايين الناس على استخدام التطبيقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية، وهذا أساس لقفزة نحو اقتصاد رقمي قليل النقد.

12.3 فلسفتي الاقتصادية

اقتصاد السوق الاجتماعي: السوق يحرّك الإنتاج والابتكار، والدولة تضمن العدالة والمنافسة وحداً أدنى من الخدمات للجميع. فلا اقتصاد أوامر، ولا سوق بلا ضوابط.

مجتمع من المالكين والمنتجين. إذا كانت الإقطاعية قد صنعت مجتمعاً من الأسياد والأرقاء، والرأسمالية الكلاسيكية مجتمعاً من الرأسماليين والعمال، والشيوعية مجتمعاً من البيروقراطيين والأُجراء، فإن «عهد جديد» يريد مجتمعاً يملك فيه الناس أدوات إنتاجهم ومساكنهم ومدخراتهم. وأدوات ذلك: تمليك المزارعين الأرض التي يفلحونها، خصوصاً في المشاريع المروية؛ وشركات مساهمة يملكها المزارعون؛ وإسكان اجتماعي وتمويل عقاري ميسر؛ وطرح أسهم الشركات العامة للمواطنين والمغتربين؛ وتمويل أصغر وبنك للشباب.

دور الدولة: منظّم، ومستثمر في المشاريع الاستراتيجية، ومالك أمين للموارد الناضبة، وليس تاجراً أو مقاولاً. وثلاثة خطوط حمراء: لا نشاط اقتصادياً لأي جهاز عسكري أو أمني؛ ولا خصخصة سياسية لصالح المقربين؛ ولا احتكار خاص يحل محل الاحتكار العام.

والإنعاش مركزي مؤقتاً. أنا مع سلطات واسعة للأقاليم، لكن الانهيار الشامل يحتاج قيادة مركزية في البداية. فالبرنامج الإنعاشي مركزي بحكم الضرورة ومؤقت بحكم التصميم، وتنتقل الصلاحيات إلى الأقاليم وفق جدول معلن.

12.4 ثلاث مراحل وهدف كبير

المرحلة الأشهر المهمة الهدف
الإنعاش 1–18 وقف النزف، وتشغيل الإنتاج، والإغاثة، واستقرار العملة العودة إلى النمو
الإقلاع 19–48 الإعمار، وقطاعات إنتاجية جديدة، واستثمارات كبرى مضاعفة الدخل القومي خلال 5 سنوات من البدء
التحول 49–96 اقتصاد صناعي زراعي خدمي حديث مضاعفة الدخل القومي ثلاث مرات بحلول 2034

الهدف: أن يرتفع الدخل القومي من 60 مليار دولار في 2025 إلى نحو 180 ملياراً في 2034.

وأقول بصراحة: هذا هدف طموح، يتطلب نمواً سنوياً يقارب 15%، وهو عند الحد الأعلى لما حققته دول خرجت من الحروب، وأعلى من توقعات البنك الدولي الحالية. لذلك أعلنه طموحاً سياسياً، لكنني أبني الموازنة على سيناريو معتدل (نمو نحو 6% سنوياً، وناتج نحو 101 مليار دولار في 2034)، وأوجّه كل نمو إضافي إلى الصندوق السيادي وتسريع الإعمار. وهذا كله مشروط بالسلام: فإذا تعثر السلام تنخفض الأهداف، وإذا استمرت الحرب فلا معنى لأي هدف.

12.5 الإنعاش العاجل: عشرة إجراءات

إن الإجراء الاقتصادي الأكبر هو إيقاف الحرب، فلا يمكن لاقتصاد أن يتعافى وموارد البلاد تُحرق في القتال. ويلي ذلك:

  1. إعادة ترتيب الموازنة: خفض الإنفاق البذخي، وخفض الإنفاق العسكري بعد الحرب، وتوجيه الموارد إلى مدخلات الإنتاج والخدمات الأساسية.

  2. توفير مدخلات الزراعة قبل الموسم (التقاوي والأسمدة والوقود) لأن التمويل الذي يصل بعد بدء الموسم لا قيمة له.

  3. العلاقات الخارجية أداة اقتصادية: لإعفاء الديون، والحصول على منح توجَّه للإنتاج.

  4. فتح الباب للقطاع الخاص والمستثمرين والمغتربين، وتخفيف الجبايات.

  5. تنظيم قطاع التعدين وإنهاء العشوائية والتهريب.

  6. حل مشكلة الكهرباء بمئات مشاريع الطاقة الشمسية والبديلة.

  7. صندوق مستقل لإعادة الإعمار تحت إشراف خبراء سودانيين ودوليين.

  8. إعادة تأهيل ما كان يقوم عليه الاقتصاد: المشاريع المروية، والسكة حديد، والنقل النهري، والصناعات الغذائية.

  9. استعادة الأموال المنهوبة ومحاربة الفساد بلا استثناء.

  10. تشغيل الشباب عبر بنك للشباب وتمويل المشاريع الصغيرة، واستعادة صادراتنا التقليدية: القطن، والسمسم، والصمغ العربي، والجلود، والماشية.

والملف الأعجل: منع المجاعة. فتح الطرق، وتأمين قوافل الإغاثة، وتشغيل المطاحن، وتغذية طارئة للأطفال والأمهات. فلا معنى لأي هدف نمو بينما يموت الناس جوعاً.

12.6 تنظيم إدارة الاقتصاد

إن تعدد الجهات الاقتصادية وتضارب صلاحياتها من أكبر أسباب تشوه الاقتصاد. لذلك أقترح أن تتولى وزارة للاقتصاد الوطني وممتلكات الدولة والاستثمار رسم السياسات الاقتصادية والإشراف على ممتلكات الدولة كلها، ويُنقل إليها ما تملكه الأجهزة العسكرية والأمنية من شركات، عدا التصنيع الحربي. وتتفرغ وزارة المالية للموازنة والضرائب والجمارك، ولا تملك أصولاً تجارية حتى لا تتضارب المصالح.

وبدل عشرات الشركات الحكومية المتداخلة، أقترح خمسة كيانات كبرى: شركة للإنتاج الزراعي الحديث، وشركة لتسويق المنتجات الزراعية، وشركة للمعادن، وشركة للنفط والغاز، وصندوق للاستثمار والتنمية تُدمج فيه الصناديق القائمة ويستقطب مدخرات المغتربين. وتُطرح أسهم بعضها للمواطنين والمستثمرين، مع احتفاظ الدولة بالقرار في الموارد الاستراتيجية.

وأقولها صراحة: إذا لم تُحكم هذه الكيانات بمجالس مستقلة محترفة، وتدقيق دولي سنوي، ونشر علني لحساباتها، ومنع للتعيين الحزبي، فستتحول إلى نسخة جديدة من شركات الأجهزة. وهذا هو الخطر الأول على هذا المقترح.

12.7 المال العام والعملة

موازنة مختلفة: أستهدف أن تذهب ربع الموازنة المدنية للاستثمار في البنى التحتية والطاقة، وعُشرها للتعليم، وعُشرها للصحة، و5% للثقافة، وخُمسها فقط للمرتبات. أما الدفاع فيحكمه سقف مزدوج مستقل: لا يتجاوز 5% من الناتج و25% من الإنفاق العام أثناء الحرب، و3% من الناتج و15% من الإنفاق العام بعدها.

عملة مستقرة: بنك مركزي مستقل مهمته الأولى استقرار الأسعار؛ وسعر صرف موحد ينهي الأرباح التي يجنيها المقربون من تعدد الأسعار؛ وعملة واحدة في كل أنحاء البلاد، لأن تداول عملات مختلفة في مناطق مختلفة خطر على وحدة البلاد نفسها؛ وإعادة الأموال إلى البنوك عبر الحلول الرقمية.

ضرائب بسيطة وعادلة: توسيع قاعدة الضريبة لا رفع نسبها، وإغلاق الثغرات، ورقمنة التحصيل، وإدخال الاقتصاد غير الرسمي بالتحفيز لا بالقمع. والهدف أن ترتفع إيرادات الدولة من نحو 4% من الناتج اليوم إلى 15% في 2034.

الديون: يبلغ الدين العام نحو 128.5% من الناتج. والطريق: استئناف مسار إعفاء الديون الذي توقف بسبب الحرب، والتفاوض المباشر مع الدائنين العرب وربط ذلك باستثمارات في الإعمار، ووضع سقف دستوري للدين حتى لا نعود إلى النقطة نفسها بعد الإعفاء.

أسواق المال: تشجيع الادخار، ومعالجة ديون المزارعين المتعثرة، ودعم بنوك التمويل الأصغر، وتطوير سوق الأوراق المالية وبورصات السلع، وإصدار صكوك حكومية لتمويل المشاريع الكبرى.

القفزة الرقمية في المال

حين انهارت البنوك، لجأ الناس إلى الهاتف، عشرات ملايين المعاملات عبر التطبيقات، ومحافظ إلكترونية جديدة، وكل ذلك بلا قوانين تنظمه. وهذه فرصة للقفز مباشرة إلى اقتصاد قليل النقد. والمطلوب:

  1. قوانين عاجلة للخدمات المالية الرقمية وحماية البيانات، تنظّم ولا تحظر، لأن الحظر يدفع النشاط إلى الظل.

  2. ربط الخدمات المالية بالهوية الرقمية، وهو ما يجعل الشمول المالي والتحصيل الضريبي والدعم المباشر ممكنة لأول مرة.

  3. تحويلات المغتربين بقنوات رسمية رخيصة وسريعة تنافس السوق الموازي بالسعر لا بالمنع.

  4. دراسة العملة الرقمية للبنك المركزي بحذر: فهي قد تسهّل الدفع المباشر للمواطنين، لكنها تحتاج شبكة اتصالات قوية حتى لا تُقصي الفقراء والريف، وقانوناً صارماً يمنع تحويلها إلى أداة للتجسس على معاملات الناس. فالكفاءة المالية لا تُشترى بثمن الخصوصية.

تصحيح الخصخصة السياسية: لجنة مستقلة تراجع كل ما بيع من مؤسسات عامة في عهد النظام السابق لمقربيه، وكل ما استولي عليه أثناء الحرب، وتقرر إبطال البيع أو إعادة التقييم أو إقراره.

12.8 الزراعة والثروة الحيوانية

إن الزراعة هي القطاع الوحيد الذي يستطيع أن يعود إلى الإنتاج خلال موسم واحد إذا توفرت المدخلات والأمن، ولذلك فهي قاطرة الإنعاش.

المشاريع المروية الكبرى: إعادة تأهيل مشروع الجزيرة والمناقل أولوية قصوى (إصلاح الري، وتوفير المدخلات، وإصلاح الإدارة، وتمليك الأرض للمزارعين) ثم الرهد وحلفا الجديدة والسوكي والنيل الأبيض. وإدخال الحيوان في الدورة الزراعية في كل المشاريع: سماد طبيعي، ودخل إضافي للمزارع، وبروتين للمجتمع.

أربعة مجمعات زراعية كبرى في الشرق والجزيرة والشمالية والغرب، لكل منها خطة للري والطرق والتمويل والتسويق. وفي شرق السودان مثلاً (القضارف وكسلا والبحر الأحمر) أكثر من مليوني فدان يمكن تنظيمها، وأقترح لها بنكاً زراعياً إقليمياً، وطرقاً تربط المشاريع بالموانئ، وشركات مساهمة للمزارعين، ومصانع للأعلاف واللحوم والألبان، وربط أسواق القضارف بالبورصات العالمية، ومنع تصدير إناث الضأن حتى لا نصنع منافسين لثروتنا الحيوانية في الخارج.

الثروة الحيوانية: إحياء المسارات الرعوية وتوفير المياه عليها، فهذا إجراء أمني بقدر ما هو اقتصادي؛ وخدمات بيطرية ومحاجر؛ والانتقال من تصدير الحيوان الحي إلى تصدير اللحوم المبردة والمصنعة، فالقيمة تتضاعف؛ وتطوير الثروة السمكية المهملة.

الصمغ العربي: السودان أكبر منتج في العالم. والهدف تصنيعه محلياً بدل تصديره خاماً، فتتضاعف قيمته.

الأمن الغذائي: مخزون استراتيجي من الحبوب، وصوامع حديثة، ونزع الألغام من الأراضي الزراعية، ومنع الاحتكار والمضاربة على الغذاء.

12.9 ممرات النمو والتجمعات الإنتاجية

أقترح الجمع بين فكرتين: ممرات نمو (طرق وسكك حديد وكهرباء على محاور رئيسية) تبنيها الدولة؛ وتجمعات إنتاجية على طول هذه الممرات، يتعاون فيها المزارعون والمصنّعون والتجار والباحثون في منتج واحد. فالممر وحده يصبح طريقاً بلا حركة، والتجمع وحده يبقى محاصراً بلا أسواق.

المنطقة التخصص
الجزيرة القطن والنسيج ومنتجات الألبان
كردفان السمسم والصمغ العربي
شرق السودان الحبوب والزيوت والإنتاج الرعوي
بورتسودان الخدمات اللوجستية والتصدير
الشمالية القمح والبساتين والتمور والطاقة الشمسية
دارفور الثروة الحيوانية والفول السوداني، بعد الاستقرار

وميزة هذا النموذج أنه يعتمد على مراكز متعددة، فيصمد أمام الأزمات السياسية والمناخية أكثر من الاعتماد على مركز واحد.

12.10 الصناعة والتقنيات الحديثة

إعادة بناء الصناعة تبدأ من حيث الحاجة: الأدوية أولاً لأنها أمن وطني؛ ثم الصناعات الغذائية؛ ثم الغزل والنسيج لربط القطن بالمصانع بدل تصديره خاماً؛ ثم الجلود؛ ثم مواد البناء اللازمة للإعمار؛ ثم الصناعات المرتبطة بالتعدين. والأدوات: مناطق صناعية مجهزة بالطاقة والنقل، ومناطق حرة للتصدير، وحوافز مشروطة بالتشغيل ونقل التقنية، وأفضلية شفافة للمنتج المحلي في المشتريات الحكومية.

واللحاق بالعالم من حيث انتهى. مرت الثورات الصناعية السابقة بالسودان دون أن تمسه. أما التقنيات الحديثة اليوم (الذكاء الاصطناعي، والطاقة الشمسية الموزعة، والخدمات الرقمية) فتسمح لنا بالقفز فوق مراحل كاملة. وأسرع مجالاتها عائداً: الزراعة الذكية بالاستشعار والبيانات، والمسح المعدني بالأقمار الصناعية، ورقمنة الموانئ والجمارك، والصحة والتعليم عن بعد، وتصدير الخدمات الرقمية كالبرمجة والتصميم، وهو قطاع يقوم على الشباب ويمكن أن يبدأ خلال أشهر. وشرط ذلك كله: كهرباء موثوقة، وإنترنت سريع، ومهارات رقمية.

12.11 التعدين والموارد

يقع السودان في قلب واحد من أغنى الأقاليم الجيولوجية في العالم، لكن التركيز على الذهب وحده أضاع فرصاً ضخمة في النحاس والليثيوم والسيليكا والحديد والكوبالت، وهي معادن المستقبل التي يتزايد الطلب عليها.

الذهب: أكبر مكسب ممكن

استعادة تدفق الذهب إلى القنوات الرسمية هي أكبر عملية اقتصادية وأمنية غير عسكرية في هذه الرؤية، لأنها تموّل الموازنة وتجفف اقتصاد المليشيات في وقت واحد. والطريق:

  1. تنظيم التعدين الأهلي لا قمعه: أكثر من مليوني شخص يعملون فيه، والقمع يدفعهم إلى المهربين. البديل تراخيص ميسرة، وتعاونيات، وشراء حكومي بسعر عادل ينافس السوق الموازي.

  2. مصفاة ذهب وطنية، ليُصدَّر الذهب مصفّى موثّق المصدر.

  3. ضبط المعابر وتتبع طرق التهريب.

  4. الانضمام إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، ونشر كل العقود.

المعادن الأخرى

المعدن ما نقترحه
النحاس والزنك إحياء المناجم وبناء مصفاة بشراكات دولية
الحديد (احتياطي يتجاوز ملياري طن) مسح تفصيلي ثم مشروع صناعي متكامل
الليثيوم الاستكشاف، ثم صناعة البطاريات بالشراكة
السيليكا (نقاوة تصل إلى 99%) صناعة الزجاج والألواح الشمسية محلياً بدل تصديرها خاماً
الفوسفات مصنع أسمدة يخدم الزراعة مباشرة
الكروم والكوبالت والنيكل استكشاف منظم ومنع تصدير الخام

وإصلاح القطاع: هيئة مستقلة للمعادن غير الذهب حتى لا تبقى مهملة؛ وقانون تعدين يُلزم بالمعالجة داخل البلاد؛ ومسح جيولوجي قومي جديد بالتقنيات الحديثة، فآخر مسح شامل يعود إلى الثمانينات؛ واتفاقات منفعة مع المجتمعات المحلية في مناطق التعدين، تنهي كثيراً من النزاعات؛ والتخلص التدريجي من الزئبق وحماية المياه والأرض.

النفط والغاز والصندوق السيادي

12.12 الطاقة

إن السودان من أقل دول العالم استهلاكاً للكهرباء للفرد، ومن أغلاها سعراً، وهذا وحده يفسر كثيراً من تخلفنا الاقتصادي. والهدف مضاعفة إنتاج الطاقة ثلاث مرات بحلول 2034، بكلفة استثمار لا تتجاوز نصف مليون دولار للميغاواط، وخفض الأسعار تدريجياً، ورفع نصيب الطاقة النظيفة حتى 95%.

ومواردنا ضخمة: شمس من الأقوى في العالم؛ ورياح يمكن أن تنتج آلاف الميغاواط على ساحل البحر الأحمر وفي الشمالية؛ وغاز حيوي من مخلفات الزراعة والحيوان يخدم الريف؛ وسدود يمكن رفع كفاءتها؛ وطاقة حرارية جوفية وطاقة أمواج تستحق الدراسة.

وأرفض بناء محطات طاقة نووية في السودان، وأدعو إلى إلغاء أي اتفاق بشأنها، لأربعة أسباب: غياب القدرات العلمية والإدارية للإشراف على منشآت بهذا الخطر؛ ومخاطر السلامة في بلد غير مستقر تنشط فيه تشكيلات مسلحة؛ والكلفة العالية التي تتضاعف عادة أثناء سنوات البناء الطويلة، مقارنة ببدائل شمسية أرخص؛ وأن أي حادث نووي سيدمر سمعة السودان الزراعية والرعوية لعقود.

والسدود والشبكة: وقف مشاريع السدود المتعجلة ودراستها مهنياً وبمشاركة المجتمعات المتأثرة، فمآسي التهجير القسري باسم السدود ما زالت حية في الذاكرة؛ وتحديث شبكة النقل لتقليل الفاقد؛ والربط الكهربائي مع دول الجوار. فالماء والكهرباء وجهان لعملة واحدة: لا مياه نقية بلا طاقة، ولا طاقة كافية بلا إدارة جيدة للمياه.

12.13 البنية التحتية والنقل

المجال الأولوية
السكة حديد إعادة التأهيل والتحديث، فهي العمود الفقري لنقل المحاصيل والمعادن بكلفة منخفضة
الطرق ربط الأقاليم الستة ببعضها وبالموانئ، وطرق داخل المشاريع الزراعية
النقل النهري إحياؤه وسيلةً رخيصة لنقل البضائع
الموانئ تحديث بورتسودان وموانئ البحر الأحمر ورقمنة الجمارك، فهي ملف أمن قومي لا ملف نقل فقط
الطيران تأهيل المطارات، وناقل وطني على أسس تجارية سليمة
الاتصالات إعادة بناء الشبكات المدمرة، والإنترنت السريع، والانضمام إلى مشاريع الربط الأفريقية

12.14 الاستثمار والسياحة والعمل

بيئة أعمال سهلة: تسجيل الشركات والتراخيص إلكترونياً، وتقليل الإجراءات، وحماية الملكية من المصادرة، وقضاء تجاري سريع. ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة بالتمويل والحاضنات، والتمويل الأصغر للنساء والشباب والريف، واستثمار المغتربين بسندات وحوافز وقنوات تحويل رخيصة. وكل شراكة بين الدولة والقطاع الخاص تتم بعقود معلنة، لا في الغرف المغلقة.

السياحة: قطاع مهمل رغم كنوزه، أهرامات مروي والبجراوية ونوري، وجبل البركل، والغوص في البحر الأحمر حول سواكن وسنقنيب، ومحمية الدندر، والسياحة الصحراوية والنهرية. والمطلوب: حماية المواقع وترميمها، وفنادق وطرق، وتأشيرات ميسرة، وتسويق دولي، وأن تستفيد المجتمعات المحلية من السياحة لا أن تُستبعد منها.

العمل والتشغيل: استراتيجية وطنية للتشغيل مرتبطة بالتعليم؛ ومشاريع إعمار تشغّل أعداداً كبيرة من العائدين والمقاتلين السابقين؛ ومعهد وطني للتدريب المهني على الآليات الزراعية والثقيلة، تشترط الشركات شهاداته للتوظيف؛ وقانون عمل عادل يحمي الحق النقابي والمفاوضة الجماعية؛ وحد أدنى للأجور يُراجَع دورياً.

وقّع الميثاق تحميل الرؤية