الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
فهرس الرؤية
تقديم
الجزء الأول: النداء
الجزء الثاني: التشخيص
الجزء الثالث: الرؤية
- الفصل الرابع: السودان الذي نريد
- الفصل الخامس: المبادئ الاثنا عشر للعهد الجديد
- الفصل السادس: الثوابت ومساحات الحوار
الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني
- الفصل السابع: الحرب والسلام
- الفصل الثامن: الحوار الوطني السوداني–السوداني
- الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
- الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني
- الفصل الحادي عشر: خارطة طريق التحول المدني الديمقراطي (2027–2034)
الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة
- الفصل الثاني عشر: الاقتصاد
- الفصل الثالث عشر: التعليم والعلوم والتكنولوجيا
- الفصل الرابع عشر: الصحة وصحة البيئة
- الفصل الخامس عشر: القضايا الاجتماعية
الجزء السادس: السودان والعالم
الجزء السابع: الأسئلة الصعبة
الجزء الثامن: الميثاق والدعوة
الملاحق
- الملحق الأول: الجدول الموحد للأهداف الكمية
- الملحق الثاني: جدول المسؤوليات والجهات المنفّذة
- الملحق الثالث: المؤتمرات القومية المقترحة
- الملحق الرابع: السيناريوهات الثلاثة وأثرها
- الملحق الخامس: المصطلحات والمفاهيم
- الملحق السادس: المصادر والمراجع
- الملحق السابع: خريطة الأقاليم الستة
- الملحق الثامن: ميثاق العهد الجديد — نص التوقيع
- الملحق التاسع: تقدير الكلفة ومصادر التمويل
- الملحق العاشر: دارفور وكردفان — إطار خاص
- الملحق الحادي عشر: الدخل الأساسي المضمون — التفاصيل
- الملحق الثاني عشر: الوثائق والمشاريع التشريعية المرافقة
- الملحق الثالث عشر: مؤشرات القياس القطاعية
إن الدولة السودانية لا تعاني من سوء الإدارة فقط، وإنما من خطأ في التصميم، والخطأ في التصميم لا يُصلحه تغيير الأشخاص. لذلك لا يتحدث هذا الفصل عن «حكومة أفضل»، وإنما عن دولة مبنية بطريقة مختلفة: أصغر حجماً، وأوضح صلاحيات، وأقرب إلى المواطن، وأصعب على أي فرد أن يختطفها.
9.1 أزمة الحكم اليوم
لقد عانى النقاش السوداني حول الحكم من ثلاث عادات سيئة: التبسيط، بأن نبحث لكل مشكلة عن حل واحد سحري؛ والتجزئة، بأن نعالج الأمن والاقتصاد والسياسة كلاً في جزيرة معزولة؛ والاستعجال، بأن ننشغل بسؤال «كيف نوقف هذه الحرب؟» وننسى السؤال الأهم: «كيف نبني دولة لا تُنتج الحروب؟»
وتظهر أزمة الحكم اليوم في مظاهر ملموسة: تعيينات مرتجلة في قمة السلطة التنفيذية؛ وتبدّل ثلاثة وزراء خارجية منذ بدء الحرب؛ وغياب البرلمان تماماً، وتحوّل التشريع إلى جلسة مشتركة لمجلسي الوزراء والسيادة؛ واجتماعات غير منتظمة لمجلس الأمن والدفاع رغم أنه المعني بأخطر الملفات؛ ووثيقة دستورية عُدّلت مرات كثيرة حتى فقدت معناها، وكان آخرها تعديلات فبراير 2025 التي مرت دون نقاش عام.
إن الارتجال في ظرف كالذي تمر به البلاد ليس مجرد إدارة سيئة، وإنما هو طريق مضمون إلى الفشل. ولذلك فإن الانتقال من الارتجال إلى التخطيط مسألة مصيرية.
9.2 الفترة الانتقالية: دروس الماضي ومهام اليوم
لماذا فشلت فتراتنا الانتقالية؟
- بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985: أعادت الفترتان الانتقاليتان السلطة إلى الأحزاب القديمة دون إصلاح الدولة، فانتهتا بانقلابين.
- بين 2019 و2021: بقيت السلطة الفعلية في يد جنرالات النظام السابق وقادة المليشيا، وتُرك إصلاح الجيش لمن كانوا سبب الأزمة، وأُصرّ على فترة انتقالية طويلة سمحت لهم بالاعتياد على السلطة. فكان انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم حرب 15 أبريل 2023.
الدرس الأهم: الفترة الانتقالية الطويلة وغير المنضبطة تصنع مصالح تدافع عن استمرارها. لذلك أقترح أن يكون سقفها الزمني نصاً دستورياً وليس اتفاقاً سياسياً، وأن يُعتبر تمديدها جريمة دستورية.
وتعلّمنا الدراسات المقارنة للحكومات الانتقالية أن أخطرها هو النوع الذي تتقاسم فيه السلطة قوى النظام القديم والقوى الساعية إلى التغيير دون قواعد واضحة، وهو بالضبط ما عشناه بين 2019 و2021.
مهام الانتقال: قائمة مغلقة
أقترح حصر مهام السلطة الانتقالية في قائمة محددة، لأن السلطة التي تتوسع في مهامها تطيل عمرها بالضرورة:
إنهاء الحرب واستعادة الأمن.
الإغاثة ووقف الانهيار المعيشي.
إصلاح مؤسسات الدولة الأساسية والترتيبات الأمنية.
معالجة قضايا النازحين واللاجئين وبدء الإعمار.
إجراء التعداد السكاني وإعداد خريطة للموارد الطبيعية.
إطلاق الحوار الوطني.
إعداد الدستور الدائم.
تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتسليم السلطة.
وما عدا ذلك من سياسات ومشاريع طويلة المدى يُترك للحكومة المنتخبة، فالسلطة الانتقالية لا تملك تفويضاً لرهن مستقبل البلاد.
9.3 دستور انتقالي جديد
لماذا وثيقة جديدة؟
الوثيقة الدستورية لعام 2019 ماتت عملياً وسياسياً لأربعة أسباب: لم تكن محل إجماع وطني؛ وعُدّلت مرات كثيرة حتى صارت نصاً متناقضاً لا يعرف تفاصيله حتى المختصون؛ وغاب اثنان من أطرافها الثلاثة عن المشهد؛ وأهملت قضايا الأمن والدفاع التي تحدد اليوم مصير الدولة. لذلك لا يكفي تعديلها؛ نحتاج إلى دستور انتقالي جديد، أطرح نصه المقترح في «مشروع الدستور الانتقالي لعام 2026» المرافق لهذه الرؤية.
على ماذا يستند؟
على دستور الاستقلال 1956 وتعديلاته في 1964 و1986، وعلى وثيقة الحقوق في دستور 2005، وعلى مسودات الدستور الانتقالي التي أعددتُها في 2021 و2025، وعلى تجارب الدول الخارجة من النزاعات.
ملامحه الخمسة
وثيقة حقوق مستقلة ومفصلة، ونص صريح على مبدأ العدالة حتى لا تمر جرائم الحرب والإبادة هذه المرة دون محاسبة.
دولة المواطنة: الدستور هو المصدر الأعلى للتشريع، بعيداً عن الصياغات العقائدية، كما هو الحال في أغلب دول محيطنا الأفريقي والعربي والإسلامي.
آليات واضحة لكتابة الدستور الدائم وإجازته.
إعادة بناء مؤسسات الدولة كما يفصّلها هذا الفصل.
نص صريح على مدة الفترة الانتقالية، وأنها تنتهي بانتخابات حرة، ولا تقبل التمديد.
9.4 شكل الدولة والحكم الإقليمي
لماذا نغيّر التقسيم الحالي؟
يتكون السودان اليوم من 18 ولاية وإقليمين إداريين، وهو تقسيم بلا منطق سياسي أو اقتصادي أو تاريخي، وقد نتجت عنه أجهزة حكومية كثيرة وضعيفة ومكلفة، وموارد مهدرة، ومحاسبة غائبة، وحكم محلي ضعيف، وحدود لا تعكس انتماء الناس الطبيعي. وقد صار هذا التقسيم سبباً من أسباب الفشل والنزاع، لا مجرد نتيجة لهما.
الأقاليم الستة
أقترح العودة إلى ستة أقاليم لها أساس تاريخي وثقافي واقتصادي، ويشعر المواطنون بالانتماء إليها: الإقليم الشمالي، والإقليم الشرقي، والإقليم الأوسط، وإقليم كردفان، وإقليم دارفور، وإقليم الخرطوم.
- إلغاء نظام الولايات نهائياً.
- يُقسم كل إقليم إلى عدد محدود من المحليات (نحو عشر)، يديرها مديرون تنفيذيون يُسألون أمام حكومة الإقليم ومجلسه المنتخب.
- لكل إقليم حاكم من أهله بصلاحيات واسعة، ومجلس تشريعي منتخب بعد إجازة الدستور الدائم، وحكومة من خمس وزارات فقط (يفصّلها الجدول أدناه).
- تضع الأقاليم موازناتها، وتجمع ضرائبها، وتشرّع في حدود الدستور، ويمكنها فتح مكاتب تجارية وثقافية في الخارج لجذب الاستثمار، كما تفعل الولايات في أمريكا وألمانيا ونيجيريا والهند.
والعائد المالي كبير: فتقليص 20 وحدة إلى 6 يعني التخلص من تكاليف 14 جسماً إدارياً زائداً (حكومات ووزارات وموظفين ومخصصات ومقار ومركبات) وتوجيه هذا الوفر إلى الأمن والتعليم والصحة.
وقد أثبتت تجارب دول كثيرة، من نيجيريا والهند وتنزانيا إلى سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة، أن الفيدرالية القائمة على أقاليم قوية هي الأقدر على إدارة التنوع وتحقيق التوازن التنموي وحماية الوحدة. وأرى أن العدد الأقل أنسب لمرحلة إعادة البناء لأسباب مالية وإدارية، على أن يبقى الباب مفتوحاً لتعديله بقرار السودانيين في الحوار والاستفتاء.
الصيغة البديلة: تسعة أقاليم
أدرك أن الانتقال المباشر من 18 ولاية إلى ستة أقاليم صعب، وقد يكون مكلفاً سياسياً، لأنه يمس مصالح وهويات محلية تكوّنت خلال عقود. لذلك أطرح صيغة بديلة تخفض عدد الوحدات إلى النصف تقريباً، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر أكبر من القرب بين الحكم والمواطن:
| الإقليم | الولايات الحالية التي يضمها |
|---|---|
| الإقليم الشمالي | الشمالية ونهر النيل |
| الإقليم الشرقي | البحر الأحمر وكسلا والقضارف |
| إقليم الخرطوم | الخرطوم |
| إقليم الجزيرة الكبرى | الجزيرة والنيل الأبيض |
| إقليم سنار | سنار والنيل الأزرق |
| إقليم شمال كردفان | شمال كردفان وأجزاء من غرب كردفان |
| إقليم جنوب كردفان | جنوب كردفان وأجزاء من غرب كردفان |
| إقليم شمال دارفور | شمال دارفور وغرب دارفور ووسط دارفور |
| إقليم جنوب دارفور | جنوب دارفور وشرق دارفور |
ويمكن أن تُعتمد هذه الصيغة بديلاً دائماً إذا رأى الحوار الوطني ذلك، أو خطوة انتقالية نحو الأقاليم الستة يُقرر مصيرها في الدستور الدائم. وفي الحالتين، فإن الحسم للحوار الوطني ثم للشعب في الاستفتاء، ويُعدّل توزيع مقاعد الجمعية التأسيسية الانتقالية بين الأقاليم وفق الصيغة المعتمدة.
حكومات الأقاليم في الفترة الانتقالية
تعيين الحكام: يعيّن مجلس الوزراء حكام الأقاليم في الفترة الانتقالية، بموافقة مجلس السيادة، ثم تُقرّ الجمعية التأسيسية الانتقالية تعيينهم وتثبّتهم. ويخضع الحاكم للمساءلة أمامها، ولها أن توصي بعزله. أما بعد إجازة الدستور الدائم، فيُنتخب الحكام ومجالس الأقاليم انتخاباً مباشراً.
الرقابة الإقليمية في الانتقال: إلى حين انتخاب مجالس الأقاليم، يتولى أعضاء الجمعية التأسيسية الانتقالية المنتمون إلى كل إقليم مهمة الرقابة على حكومته، في لجنة إقليمية تجتمع دورياً في عاصمة الإقليم وتستمع إلى أهله.
الوزارات الإقليمية: أقترح أن تتكون كل حكومة إقليمية من خمس وزارات فقط، حتى لا تتكرر في الأقاليم مشكلة الترهل التي نعانيها في المركز:
| الوزارة الإقليمية | أبرز المهام |
|---|---|
| الاقتصاد والمالية والموارد | موازنة الإقليم، والإيرادات والضرائب الإقليمية، والاستثمار، والتعدين والموارد الطبيعية بالتنسيق مع المركز، والتجارة الداخلية |
| الزراعة والثروة الحيوانية والأمن الغذائي | المشاريع الزراعية، والمراعي والمسارات الرعوية، والخدمات البيطرية، والمخزون الغذائي، والغابات والبيئة |
| التعليم والثقافة والشباب | إدارة التعليم العام والفني، وتشغيل المدارس، والثقافة واللغات المحلية، والرياضة وبرامج الشباب |
| الصحة والشؤون الاجتماعية | المستشفيات والمراكز الصحية، وصحة البيئة ومياه الشرب، والحماية الاجتماعية، وشؤون النازحين والعائدين |
| الحكم المحلي والبنية التحتية والأمن الداخلي | المحليات والخدمات البلدية، والطرق الإقليمية والإسكان، والإعمار، وشرطة الإقليم والتنسيق الأمني مع المركز |
ويعمل مع الحاكم أمين عام للحكومة الإقليمية من الخدمة المدنية المحترفة، يضمن استمرار العمل الإداري بعيداً عن تقلبات السياسة.
العلاقة بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم
إن نجاح الحكم الإقليمي لا يتوقف على عدد الأقاليم، وإنما على وضوح العلاقة بين المركز والأقاليم. وقد فشلت تجارب الحكم الإقليمي والولائي السابقة لأن هذه العلاقة بقيت غامضة: فالمركز يمنح الصلاحيات على الورق ويحتفظ بالمال والقرار في الواقع. لذلك أقترح أن تقوم العلاقة على ستة أسس، ينص عليها قانون الحكم الإقليمي الانتقالي:
- تقسيم واضح للأدوار: المركز يضع السياسات والمعايير القومية الدنيا ويتولى الاختصاصات السيادية (الدفاع، والخارجية، والعملة، والجنسية، والموارد العابرة للأقاليم)؛ والأقاليم تنفذ الخدمات وتدير شؤونها الداخلية. فالمركز يحدد مثلاً الحد الأدنى لمعايير المنهج والرعاية الصحية، والإقليم هو الذي يدير المدارس والمستشفيات.
- مال يتبع المسؤولية: تنتقل إلى الأقاليم موارد تكفي مهامها، عبر ثلاث قنوات: إيرادات ذاتية من الضرائب والرسوم الإقليمية؛ ونصيب ثابت من إيرادات الموارد الطبيعية المستخرجة من الإقليم؛ وتحويلات من المركز بمعادلة معلنة تراعي عدد السكان ودرجة الحاجة وحجم الدمار الذي خلفته الحرب. ولا تُترك هذه التحويلات لتقدير الوزير أو لرضا المركز.
- مجلس للحكام: يجتمع برئاسة رئيس الوزراء مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل، لتنسيق السياسات وحل الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات.
- تدرج في نقل الصلاحيات خلال الانتقال: يبدأ البرنامج الإنعاشي مركزياً بحكم الضرورة، ثم تنتقل الصلاحيات إلى الأقاليم وفق جدول معلن، بحيث تكتمل بنهاية الفترة الانتقالية. فالهدف ليس إبقاء المركز قوياً، وإنما ألا تنهار الخدمات أثناء الانتقال.
- حسم الخلافات بالقانون: أي خلاف على الصلاحيات أو الموارد بين المركز وإقليم، أو بين إقليمين، يُحسم أمام المحكمة الدستورية، وليس بالضغط السياسي أو بالسلاح.
- شفافية متبادلة: ينشر المركز ما حوّله إلى كل إقليم، وينشر كل إقليم موازنته وإنفاقه، ليقارن المواطنون ويحاسبوا.
9.5 مؤسسات الفترة الانتقالية
(مؤسسات مؤقتة لإدارة الانتقال فقط (36 شهراً كحد أقصى) تنتهي بقيام مؤسسات الدستور الدائم.)
الجمعية التأسيسية الانتقالية
لماذا نبدأ بها؟ لقد جرّبنا في الماضي أن تتكوّن الحكومة أولاً، ثم يُترك تكوين البرلمان الانتقالي «لوقت لاحق» لا يأتي أبداً. هكذا حكمت الحكومات الانتقالية بلا رقيب، وصار التشريع جلسة مشتركة بين مجلسي الوزراء والسيادة، أي أن الحكومة كانت الخصم والحكم في الوقت نفسه. ولن أكرر هذا الخطأ. لذلك أقترح أن تكون الجمعية التأسيسية الانتقالية أول مؤسسة تُكوَّن في الانتقال، وأن يكون تكوينها شرطاً لتكوين الحكومة لا لاحقاً لها.
كيف تتكوّن؟ يصدر مجلس السيادة الحالي قراراً بتكوينها، بعد تشاور معلن مع القوى السياسية والمدنية والحركات الموقعة على اتفاقيات السلام والإدارات الأهلية والنقابات. وهذه هي المرة الأخيرة التي يُستخدم فيها القرار الفوقي في تكوين مؤسسات الانتقال: فكل ما يأتي بعد ذلك يمر عبر الجمعية.
حجمها وتمثيلها: مئة عضو فقط، لأن الجمعية الكبيرة تتحول إلى ساحة محاصصة، والصغيرة يسهل أن تعمل وأن تُحاسَب. وأقترح أن يتوزع أعضاؤها على النحو التالي:
- 15 عضواً من كل إقليم من الأقاليم الستة (90 عضواً)، يعكسون تنوع الإقليم السياسي والاجتماعي.
- 10 أعضاء من الكفاءات الوطنية المستقلة، ومن المتقاعدين العسكريين والأمنيين ذوي السجل النظيف.
- ثلث المقاعد على الأقل للنساء، وحصة واضحة للشباب، وتمثيل للنازحين واللاجئين.
صلاحياتها طوال الفترة الانتقالية:
- إجازة الدستور الانتقالي. فلا يصبح أي نص دستوري نافذاً قبل أن تجيزه الجمعية.
- إجازة حكومة التعافي الوطني: تنتخب رئيس الوزراء أو تجيز ترشيحه، وتجيز برنامج الحكومة وتشكيلتها، ولها أن تسحب الثقة منها.
- الرقابة على الحكومة طوال الانتقال: الاستجواب، والتحقيق، ومراجعة الموازنة وإجازتها، ومتابعة تنفيذ المهام المحددة للانتقال.
- كل تغيير دستوري (تعديلاً في الدستور الانتقالي أو إضافة إليه) لا يتم إلا بموافقتها، وبأغلبية الثلثين.
- التشريع في حدود مهام الانتقال، ومنها قوانين الانتخابات والأحزاب ومكافحة الفساد والمفوضيات.
- المصادقة على قيادات المفوضيات القومية والمكتب المركزي لمكافحة الفساد.
- إجازة مسودة الدستور الدائم قبل طرحها على الشعب في الاستفتاء.
وحدود لا تتجاوزها: لا تملك الجمعية تمديد الفترة الانتقالية، ولا تعديل المادة التي تحدد مدتها، ولا يترشح أعضاؤها (ولا أعضاء الحكومة) في الانتخابات العامة الأولى التي تليها. ويتقاضى أعضاؤها رواتبهم فقط دون امتيازات، ومقرها أم درمان، في خطوة رمزية وعملية لإعادة الحياة إلى العاصمة.
الترتيب إذن واضح: قرار من مجلس السيادة بتكوين الجمعية، ثم تجيز الجمعية الدستور الانتقالي، ثم تجيز حكومة التعافي الوطني، ثم تراقبها حتى تسليم السلطة للمنتخبين.
مجلس سيادة من ثلاثة أعضاء
لا معنى لوجود مجلس سيادة من أحد عشر عضواً إلى جانب جمعية تأسيسية وحكومة ومجلس أمن ودفاع. أقترح ثلاثة أعضاء يمثلون الشرق والغرب والوسط، بمهام شرفية ورقابية يحددها الدستور الانتقالي. ويمكن التوافق على أن يرأسه قائد الجيش خلال الانتقال، مع عضوين مدنيين. وفي ذلك وفر في المخصصات والموظفين، وسرعة في القرار.
مجلس الأمن والدفاع الوطني
لماذا نحتاجه؟ وُجد مجلس الأمن والدفاع في السودان عملياً منذ سنوات، لكنه بقي بلا أساس دستوري واضح، ويجتمع بصورة متقطعة، حتى إنه لم يجتمع بعد أحداث كبرى مسّت أمن البلاد مباشرة. والدولة التي تخوض حرباً وتواجه بيئة إقليمية مضطربة لا تستطيع أن تدير ملفات الحرب والسلام بالارتجال. لذلك أقترح تثبيت المجلس في الدستور الانتقالي هيئةً دستورية عليا للأمن والدفاع، منتظمة الاجتماع، ومسؤولة أمام الشعب.
دوره في الفترة الانتقالية. يكون المجلس:
- الجهة العليا المختصة بسياسات الأمن والدفاع: يضع السياسات العليا، ويشرف على عمل السلطة التنفيذية فيها، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية، ويراجع خططهما السنوية ويقيّمها.
- الجسر بين مجلس السيادة ذي الطابع الشرفي ومجلس الوزراء المدني، ومنبر التنسيق بين المدنيين والعسكريين في قضايا الأمن القومي.
- المكان الطبيعي للحركات الموقعة على اتفاقيات السلام في ملفات الترتيبات الأمنية والدمج والتسريح وإعادة هيكلة القوات النظامية، بدل أن تُدار هذه الملفات في غرف مغلقة أو عبر وسطاء.
- مركز إدارة الأزمات القومية وقرارات الحرب والسلام.
تكوينه في الفترة الانتقالية:
| العضو | الصفة |
|---|---|
| رئيس مجلس السيادة | رئيساً للمجلس |
| عضوا مجلس السيادة | أعضاء |
| رئيس الوزراء | عضو |
| وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية | أعضاء |
| رئيس هيئة أركان القوات المسلحة | عضو |
| مدير جهاز المخابرات العامة | عضو |
| ممثلو الحركات الموقعة على اتفاقيات السلام | أعضاء في ما يخص الترتيبات الأمنية |
| شخصيات مدنية أو عسكرية ذات خبرة | يعيّنها مجلس السيادة بالتشاور مع رئيس الوزراء، بعدد محدود |
قواعد عمله: يجتمع بصورة دورية منتظمة ينص عليها القانون، مرة كل شهر على الأقل، وفوراً عند أي تطور يمس الأمن القومي؛ ويضع لائحة إجراءاته؛ ويتخذ قراراته بالأغلبية؛ ويقدّم تقارير دورية إلى الجمعية التأسيسية الانتقالية عبر لجنتها المختصة، في جلسات سرية حين يقتضي الأمر.
وضعه بعد الانتقال. في ظل الدستور الدائم يتحول إلى مجلس للأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية المنتخب، ويضم نائب الرئيس ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية ورئيس هيئة الأركان ومدير المخابرات، على أن يكون العسكريون أعضاء استشاريين غير مصوّتين. وتخضع قراراته ذات الأثر المالي أو التشريعي لرقابة البرلمان، وتقدّم لجنة الأمن القومي البرلمانية تقييماً سنوياً لعمله.
القاعدة: من توازن مدني–عسكري مؤقت في الانتقال، تفرضه ظروف الحرب، إلى قرار مدني كامل في الدولة الدائمة. ويُثبت موعد هذا التحول في النص الدستوري نفسه، لأن الترتيب المؤقت الذي لا يُحدَّد أجله يصبح دائماً.
القضاء الانتقالي
استكمال مجلس القضاء العالي والمحكمة العليا والمحكمة الدستورية فوراً. إذ لا يجوز أن تمر فترة انتقالية دون محكمة دستورية عاملة، لأنها الجهة الوحيدة القادرة على إبطال أي تجاوز للإعلان الدستوري.
الهيئات والمفوضيات القومية
لا أقترح أن يوضع كل شيء داخل الوزارات. فهناك وظائف يجب أن تتمتع باستقلال نسبي عن الحكومة، إما لأنها تمس نزاهة العملية السياسية نفسها، أو لأنها تحتاج إلى ثقة كل الأطراف، أو لأنها تمتد لما بعد عمر حكومة بعينها. وأهم هذه الهيئات:
| المفوضية | مهمتها |
|---|---|
| مفوضية التعداد السكاني والانتخابات | إجراء التعداد، وإعداد السجل الانتخابي، وإدارة الانتخابات والاستفتاءات |
| مفوضية حقوق الإنسان | الرصد والحماية وتلقي الشكاوى وإصدار التقارير |
| مفوضية العدالة الانتقالية | كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر |
| مفوضية إصلاح الخدمة المدنية | إعادة بناء جهاز الدولة على أساس الكفاءة والحياد |
| مفوضية الأراضي | حل قضايا الأرض والملكية والنزاعات العقارية |
| مفوضية إعادة الإعمار | التنسيق بين مشاريع إعادة البناء ومصادر تمويلها |
| مفوضية العون الإنساني | التنسيق الإنساني، مع ضمانات تمنع استخدامها للسيطرة السياسية على العمل الإنساني |
وتوجد في الهيكل الرسمي الحالي بالفعل مفوضيات تؤدي بعض هذه الوظائف، منها مفوضيات العدالة الانتقالية، وإصلاح الخدمة المدنية، والأراضي، والعون الإنساني، وإعادة الإعمار. والمطلوب ليس إنشاءها من الصفر، بل إعادة تكوينها بقوانين جديدة تضمن استقلالها الفعلي، وتعيين قياداتها بإجراءات شفافة تصادق عليها الجمعية التأسيسية الانتقالية، وموازنات محمية، وتقارير علنية دورية.
وتتكامل هذه المفوضيات مع ما سبقها: فمفوضية إعادة الإعمار تنسّق وتخطط، بينما يموّل صندوق إعادة الإعمار ويخضع للتدقيق المستقل؛ ومفوضية إصلاح الخدمة المدنية تعمل ذراعاً فنياً لوزارة الإصلاح المؤسسي في ملف الخدمة المدنية.
9.6 بناء قدرة الدولة في الأشهر الأولى
تواجه أي حكومة انتقالية في السودان مشكلة دائرية: إننا نحتاج إلى دولة قادرة لتنفيذ الإصلاح، ونحتاج إلى الإصلاح لبناء دولة قادرة. فالجهاز الذي يُطلب منه أن يصلح الدولة هو نفسه منهك ومسيّس، وقد فقد جزءاً كبيراً من كوادره بسبب الحرب والهجرة. ولا يكفي أن نعترف بهذه المشكلة، وإنما يجب أن نقول كيف نتعامل معها.
وأقترح لذلك ستة مداخل تعمل معاً في الأشهر الثمانية عشر الأولى:
- البدء بما صمد. لقد صمدت خلال الحرب مؤسسات وخبرات يمكن البناء عليها: البنك المركزي والجمارك وبعض الجامعات والكوادر الصحية، ولجان الأحياء وغرف الطوارئ التي أدارت حياة الناس في أصعب الظروف. والحكومة الذكية تبدأ بتقوية ما يعمل، وليس بإنشاء مؤسسات جديدة من الصفر.
- وحدات تنفيذ صغيرة وقوية. تُنشأ في رئاسة الوزراء وفي الوزارات الأكثر حيوية (المالية، والداخلية، والصحة، والزراعة، والطاقة) وحدات تنفيذ صغيرة من كفاءات مختارة بمسابقات مفتوحة، مهمتها متابعة الأولويات المحددة وإزالة العوائق أمامها. فهذه الوحدات هي «النواة الصلبة» التي تتحرك قبل أن يكتمل إصلاح الجهاز كله.
- استعادة الكفاءات السودانية. برنامج وطني للخبرة يستقطب الكفاءات السودانية في المهجر بعقود محددة المدة، للعمل داخل البلاد أو عن بعد، في المالية والتخطيط والصحة والتعليم والتقنية. إن ملايين السودانيين في الخارج يمثلون أكبر احتياطي للخبرة لدينا، وقد آن الأوان لاستثماره.
- مساعدة فنية بشروط. تستعين الحكومة بخبرات الشركاء الإقليميين والدوليين، ولكن بشرطين: أن يكون لكل خبير أجنبي نظير سوداني يتعلم منه ويحل محله، وأن تنتهي المساعدة في موعد معلن. فالهدف هو بناء القدرة الوطنية، وليس استبدالها.
- الرقمنة بوصفها رافعة. إن الأنظمة الرقمية تقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من الموظفين، وتوثق كل معاملة، وتضيق مساحة الفساد. لذلك تبدأ الحكومة الرقمية في الأشهر الأولى، ولا تنتظر اكتمال الإصلاح الإداري.
- الشراكة المؤقتة في تقديم الخدمات. حيث تعجز الدولة عن تقديم الخدمة فوراً، تتعاقد بشفافية مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص وغرف الطوارئ لتقديمها، تحت رقابتها، إلى أن تستعيد مؤسساتها قدرتها.
وما الذي يجب أن يراه الناس خلال 12 شهراً؟ رواتب تُدفع بانتظام وفي موعدها، وموازنة منشورة، وخدمات أساسية تعمل في المدن الآمنة، وتعيينات عليا تتم بمسابقات معلنة، وتقرير علني كل ثلاثة أشهر عما أُنجز وما تعثر. فهذه المؤشرات البسيطة هي التي تبني الثقة، وهي التي تسبق كل إصلاح أكبر.
9.7 حكومة التعافي الوطني: رشيقة وقوية
لقد طرحتُ فكرة «الحكومة الرشيقة» منذ عام 2017، ولم يؤخذ بها. وهي اليوم، مع انهيار الدخل القومي، ضرورة وطنية وليست مجرد خيار.
هل الحكومة الصغيرة حكومة ضعيفة؟ العكس تماماً. فهي تجمع الصلاحيات بدل تفتيتها، وتتخلص من الإجراءات الزائدة والهدر، وتوجّه الموارد إلى ما يمس حياة الناس، وتستجيب للأزمات بسرعة، ويسهل على البرلمان والإعلام والمواطنين مراقبتها. أما مصدر الضعف الحقيقي فهو تكاثر الوزراء والولاة والمعتمدين والمستشارين، الذي يشل القرار ويضيّع المسؤولية.
وأقترح أن يحدد الدستور عدد الوزارات الاتحادية بين 10 و20 وزارة، حتى لا تتحول الحكومة إلى أداة للترضيات.
أما التشكيلة التفصيلية لحكومة التعافي الوطني (في حدود 14 إلى 16 وزارة، برئيس وزراء ونائب له) فأطرحها في «مشروع برنامج حكومة التعافي الوطني» المرافق لهذه الرؤية.
وبدل إنشاء وزارات إضافية، تعمل داخل رئاسة الوزراء وحدات فنية صغيرة: للأمن، وللتشريع، وللتخطيط والبحوث، إضافة إلى مبعوثين خاصين لمهام محددة، وناطق رسمي باسم الحكومة. وأقترح مجلساً قومياً للشباب بصلاحيات تنفيذية بدل وزارة مستقلة لهم.
9.8 وزارة الإصلاح المؤسسي
أضع وزارة الإصلاح المؤسسي في قلب هذه الرؤية، لأن أغلب محاولات الإصلاح السابقة فشلت بسبب ضعف الصلاحيات والتسييس. وهي تتبع رئيس الوزراء مباشرة، وتُنشأ بقانون خاص يمنحها صلاحيات واسعة على المستويين الاتحادي والإقليمي، وتعمل بفرق من كفاءات غير حزبية تحميها حصانات تمنع التدخل في عملها.
مهامها أربع:
إصلاح مؤسسات الدولة: مراجعة هياكل الوزارات والهيئات، واقتراح الدمج أو الإلغاء أو إعادة التنظيم، وتفكيك الكيانات الموازية، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة.
سد ثغرات الفساد الإداري: مراجعة الإجراءات التي يتسلل منها الفساد، وتدقيق دوري في الوزارات والسفارات والمؤسسات، ومتابعة الهدر والتوظيف غير المشروع، وإحالة ما تكشفه من شبهات إلى المكتب المركزي لمكافحة الفساد.
تقييم الأداء: نظام وطني لتقييم المؤسسات والموظفين، وترقيات على أساس الأداء لا الولاء.
مراقبة البعثات الخارجية: تقييم السفارات والقنصليات، وتقليص الترهل فيها.
لماذا وزارة لا هيئة رقابية تقليدية؟ لأن غياب الدولة المؤسسية وانتشار الفساد يحتاجان إلى جهة تبادر بالإصلاح، وليس إلى جهة تكتفي بكتابة التقارير.
9.9 خدمة مدنية محترفة
لقد تعرضت الخدمة المدنية لعقود من التسييس ونزيف الكفاءات. وأقترح إنشاء سلك للخدمة المدنية يكون العمود الفقري للإدارة، على غرار السلك الدبلوماسي:
- الدخول بامتحان تنظمه جهة أكاديمية مستقلة.
- يضم الكوادر الإدارية العليا في رئاسة الوزراء والوزارات والحكومات المحلية والضرائب والجمارك وديوان المراجعة.
- يقوم على الحياد الحزبي والمهنية والاستقلال عن السياسيين.
- كل التعيينات في مؤسسات الدولة بمسابقات مفتوحة وشروط معلنة.
- مؤتمر إداري وطني يضع أسس قانون الخدمة المدنية الجديد.
الرواتب: نظام عادل يجذب الكفاءات ويحتفظ بها ويقلل فرص الفساد، مع إلغاء نظام الحوافز واستبداله برواتب أفضل وترقٍّ مهني واضح.
استعادة الكفاءات: خطة وطنية لإعادة المهاجرين المؤهلين (حوافز، واعتراف بالشهادات، وسكن، وأمان مهني) والاستفادة عن بعد ممن لا يستطيع العودة. فسودان العهد الجديد يجب أن يكون بلداً يجذب أبناءه لا يطردهم.
9.10 إصلاح القوانين والقضاء
القوانين
تتولى هذا الملف وزارة العدل والإصلاح القانوني، بينما تتولى مفوضية العدالة الانتقالية ملفات الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، فلا تتداخل المهمتان.
- تفكيك تركة قوانين سبتمبر 1983، والعودة إلى التراث القانوني السوداني الذي سبقها، مع الاستفادة من التجارب الديمقراطية في العالم.
- قانون جنائي مدني وقانون إجراءات جنائية جديدان، وإلغاء العقوبات القاسية والمهينة للكرامة.
- قانون أحوال شخصية مدني ديمقراطي يساوي بين الرجال والنساء ويحمي حقوق المرأة والطفل.
- تشديد العقوبات على الاغتصاب والتحرش والعنف ضد النساء والأطفال، وعلى السخرة والاسترقاق وجرائم الحرب، وعدم سقوط هذه الجرائم بمرور الزمن.
- الالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتعديل القوانين المخالفة لها.
- مؤتمر قانوني وطني يخطط لعملية الإصلاح ويضع مشاريع القوانين.
القضاء
- قضاء مستقل بمجلس أعلى، وتعيين وترقية ومحاسبة على أساس الكفاءة.
- محكمة دستورية يستطيع كل مواطن اللجوء إليها مباشرة.
- نيابة عامة مستقلة عن السلطة التنفيذية.
- رقمنة المحاكم والدعاوى والسجلات لتقليل الوقت والكلفة وفرص الفساد.
- عدالة قريبة من الناس: معونة قضائية مجانية، ومحاكم متنقلة في الأرياف ومواقع النزوح.
- محاكم تجارية فعالة، لأن ثقة المستثمر تبدأ من ثقته في القضاء.
9.11 الحكومة الرقمية والسيادة الرقمية
إن الحكومة الرقمية ليست مشروعاً تقنياً منفصلاً، وإنما هي أداة لإصلاح الدولة نفسها. فهي تعني أن يستخرج المواطن وثيقته، ويدفع ضريبته، ويتابع معاملته، ويقدم شكواه من هاتفه، دون طوابير ولا وسطاء ولا رشوة. وتعني للدولة شفافية أكبر، لأن كل معاملة موثقة، وفساداً أقل، لأن التدخل البشري أقل، وتخطيطاً أفضل، لأن البيانات متوفرة.
بوابة حكومية خلال ستة أشهر
أقترح أن تُطلق حكومة التعافي الوطني، خلال ستة أشهر من تكوينها، بوابة حكومية موحدة وهوية رقمية لكل مواطن (SudanID)، تبدأ بالخدمات الأكثر إلحاحاً: وثائق الهوية والجوازات والشهادات والضرائب والتراخيص والسجل العقاري، ثم تتوسع تدريجياً، مستفيدة من أنظمة مفتوحة المصدر مجرّبة في دول أخرى لتقليل الكلفة. وتصبح الهوية الرقمية بعد ذلك مفتاح المواطن إلى الدعم الاجتماعي والتأمين الصحي والتصويت والمعاملات المالية.
السيادة الرقمية
لا توجد سيادة حقيقية في هذا القرن دون سيادة رقمية. فسيطرة جهات أجنبية على الاتصالات والتطبيقات وخوادم البيانات تهديد مباشر لأمن الدولة. وأقترح خمس ركائز:
مراكز بيانات وطنية داخل السودان، وسيادة قانونية على بيانات المواطنين والمؤسسات.
هوية رقمية وطنية لا تعتمد على منصات أجنبية.
قانون لحماية البيانات الشخصية وتنظيم الأمن السيبراني، يحمي حقوق المستخدمين، لأن السيادة الرقمية يجب ألا تصبح غطاءً للتجسس على المواطنين.
منصات حكومية سيادية: بريد رسمي، ومنصات تواصل داخلية، واعتماد البرمجيات مفتوحة المصدر.
شراكات تقنية ندية لا تابعة، مع الاستفادة من تجارب إستونيا وسنغافورة ورواندا.
والعائد: آلاف الوظائف للشباب، وحلول محلية لمشاكل محلية، وشركات تقنية سودانية قادرة على المنافسة في الإقليم.
9.12 مكافحة الفساد
إن الفساد في السودان ليس انحرافاً فردياً عارضاً، وإنما هو منظومة حكم تكرّست عبر عقود: نهب للمال العام، ومحسوبية في التوظيف والعقود، واقتصاد موازٍ خارج رقابة الدولة، وتهريب منظم للذهب والموارد. وقد أفقر هذا الفساد الناس، وأضعف الدولة، وموّل الحرب نفسها. ولن يثق السودانيون في أي سلطة، ولن يأتي مستثمر أو مانح جاد، ما لم يروا فساداً يُكشف ويُحاسَب عليه، مهما علا صاحبه.
لقد فشلت محاولات مكافحة الفساد السابقة لأن أجهزتها كانت تابعة للسلطة التنفيذية، أو ضعيفة الصلاحيات، أو مسيّسة. لذلك أقترح بناءً جديداً يقوم على أربعة أعمدة.
أولاً: المكتب المركزي لمكافحة الفساد
أقترح إنشاء المكتب المركزي لمكافحة الفساد، جهةً مستقلة تماماً عن الحكومة، بقيادة نزيهة ومحصنة:
- الاستقلال: لا يتبع أي وزارة، ويُنص على استقلاله في الدستور الانتقالي ثم في الدستور الدائم، وله موازنة محمية لا تستطيع الحكومة خفضها.
- القيادة: يُختار رئيسه ونائباه عبر منافسة علنية، بترشيح من لجنة مستقلة تضم قضاة وممثلين للمجتمع المدني والنقابات المهنية، وتصادق عليهم الجمعية التأسيسية الانتقالية بأغلبية كبيرة. ويشترط فيهم السجل النظيف والكفاءة القانونية والمالية والاستقلال الحزبي. ولمدة واحدة غير قابلة للتجديد.
- الحصانة: لا يُعزل رئيسه إلا بقرار من المحكمة الدستورية لأسباب محددة حصراً في القانون، ويتمتع هو وموظفوه بحصانة من الملاحقة بسبب أدائهم لعملهم، مع حماية أمنية عند الحاجة.
- الصلاحيات: التحري والتحقيق في جرائم الفساد في كل مؤسسات الدولة ومستوياتها، بما فيها الأجهزة العسكرية والأمنية والشركات العامة؛ والاطلاع على الحسابات والسجلات؛ وطلب تجميد الأصول من القضاء؛ وإحالة الملفات إلى نيابة متخصصة بجرائم الفساد؛ وتلقي الإقرارات بالذمة المالية وفحصها.
- المساءلة: يقدّم تقريراً سنوياً علنياً إلى الجمعية التأسيسية الانتقالية، ثم إلى البرلمان المنتخب، وإلى الرأي العام، ويخضع هو نفسه لتدقيق مالي مستقل.
ثانياً: قانون حديث لمكافحة الفساد
قانون جديد يعرّف جرائم الفساد تعريفاً واسعاً (الرشوة، والاختلاس، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والإثراء غير المشروع) ويشدد عقوباتها، ويحرم المدانين من المناصب العامة لمدة تتراوح بين 10 و20 عاماً. ويتكامل مع قانون فعال لمكافحة غسيل الأموال، ومع إقرار إلزامي بالذمة المالية لكل شاغلي المناصب العليا عند توليهم مناصبهم وعند تركها، ونشر ملخصاته.
ثالثاً: الوقاية قبل العقاب
- المشتريات الحكومية: إدارة موحدة تحت إشراف وزارة المالية، ومناقصات علنية تقرر فيها لجان فنية محايدة، ونشر كل العقود الكبيرة على بوابة إلكترونية مفتوحة.
- ديوان مراجعة عام مستقل يدقق كل الإنفاق العام، بما فيه الدفاعي، وينشر تقاريره.
- الحكومة الرقمية التي تقلل الاحتكاك بين المواطن والموظف، وتوثق كل معاملة.
- وزارة الإصلاح المؤسسي التي تعالج الثغرات الإدارية التي يتسلل منها الفساد، وتحيل ما تكشفه من شبهات إلى المكتب المركزي.
رابعاً: الاسترداد والرقابة الشعبية
- آلية متخصصة لاسترداد الأموال المنهوبة داخل البلاد وخارجها، بالتعاون القانوني الدولي، وتوجيه جزء منها إلى صندوق تعويض الضحايا.
- حماية المبلّغين بقانون صريح يحفظ هويتهم ووظائفهم.
- دعم الإعلام الاستقصائي والمجتمع المدني في كشف الفساد، فالمؤسسات الرسمية وحدها لا تكفي، وقد تصبح هي نفسها مصدراً للفساد.
بعد أن عرضتُ مؤسسات الفترة الانتقالية وأدوات إصلاح الدولة، أنتقل في القسمين الأخيرين إلى الدولة الدائمة التي يؤسسها الدستور الدائم بعد انتهاء الانتقال.
9.13 الدستور الدائم: ما بعد الانتقال
كيف يُكتب؟
| المرحلة | المضمون | المسؤول |
|---|---|---|
| التأسيس | مفوضية لإعداد الدستور مستقلة عن الحكومة، تُكوَّن بتوافق وطني | ينص عليها الدستور الانتقالي |
| المشاورات | جلسات في كل إقليم ومحلية، ومنصة إلكترونية، وجلسات للمهجر والنازحين واللاجئين | المفوضية بالتنسيق مع الحوار الوطني |
| الصياغة | مسودة تُنشر للنقاش العام مدة كافية | المفوضية |
| الإجازة الأولى | إجازة المسودة | الجمعية التأسيسية الانتقالية |
| الإجازة النهائية | استفتاء شعبي حر قبل نهاية الفترة الانتقالية | الشعب |
ماذا يجب أن يتضمن؟
وثيقة حقوق شاملة مع حق المواطن في اللجوء مباشرة إلى المحكمة الدستورية؛ ومدنية الدولة وحيادها تجاه الأديان مع الاحترام الكامل لها جميعاً؛ ونظام الحكم الرئاسي الفيدرالي؛ واستقلال القضاء؛ وتجريم الانقلابات؛ وسقف الإنفاق الدفاعي ووزير دفاع مدني وحظر التشكيلات المسلحة الموازية؛ والحقوق اللغوية والثقافية؛ والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ وحماية مواد مدد الحكم والحقوق الأساسية من التعديل الانتهازي.
9.14 نظام الحكم بعد الانتقال: جمهورية رئاسية فيدرالية
موقفي: أقترح أن يؤسس الدستور الدائم جمهورية رئاسية فيدرالية: رئيس ينتخبه الشعب مباشرة، وحكومة فيدرالية صغيرة وفعالة، وستة أقاليم ذات سلطات واسعة تدير شؤونها بحكومات ومجالس منتخبة. وهذا امتداد لما طرحتُه في برنامجي لعام 2017 وفي «ميثاق السودان الواحد».
لماذا هذا النظام؟
- مساءلة واضحة: رئيس منتخب ومسؤول أمام الشعب لمدة ثابتة، بدل حكومات ائتلافية تتشكل وتسقط. فقد عرفنا ثلاث تجارب برلمانية (1956–1958، و1965–1969، و1986–1989) اتسمت بعدم الاستقرار وانتهت كلها بانقلابات.
- فصل حقيقي بين السلطات: سلطة تنفيذية لا تشرّع، وسلطة تشريعية لا تتحكم في تكوين الحكومة يومياً، وقضاء مستقل عنهما.
- مركز صغير وأقاليم قوية، وهو منطق الحكومة الرشيقة والأقاليم الستة نفسه.
ولماذا بضمانات؟
لكن للنظام الرئاسي مخاطر معروفة: منطق «الفائز يأخذ كل شيء»، وجمود الولاية الثابتة، واحتمال الصدام بين الرئيس والبرلمان. وتُظهر الدراسات أن انهيار الأنظمة الرئاسية يرتبط بإرث الحكم العسكري أكثر مما يرتبط بالنظام نفسه، وهذا تحديداً إرثنا. وفي أفريقيا رؤساء كثيرون عدّلوا الدساتير ليبقوا في السلطة. لذلك آخذ جوهر النموذج الأمريكي، وأضيف إليه ضمانات جرّبتها دول أفريقية:
الرئيس يمثل السودان كله: يشترط الفوز الحصول على أغلبية الأصوات، وعلى ربعها على الأقل في أربعة من الأقاليم الستة، وإلا تُعاد الانتخابات بين الأول والثاني. وقد أخذت نيجيريا (1999) وكينيا (2010) بشروط مشابهة.
ولايتان رئاسيتان من خمس سنوات كحد أقصى، ولا يجوز تعديل هذه المادة.
برلمان من مجلسين: مجلس نواب يمثل السكان، ومجلس شيوخ يمثل الأقاليم الستة بالتساوي ويحمي الأقاليم الأقل سكاناً. ويوافق مجلس الشيوخ على كبار التعيينات (القضاة، وقادة الأجهزة النظامية، والسفراء، ورؤساء المفوضيات) وعلى المعاهدات الدولية.
برلمان قوي: سلطة كاملة على الموازنة، وحق التحقيق والاستدعاء، وإجراءات واضحة لعزل الرئيس بأغلبية كبيرة.
كل ما لم يُعطَ للمركز فهو للأقاليم.
عدالة مالية منصوص عليها: معادلة دستورية لتقسيم إيرادات الذهب والنفط والمعادن، وصندوق لدعم الأقاليم الأقل نمواً. فالفيدرالية بلا عدالة مالية تبقى فيدرالية شكلية.
الجيش فيدرالي فقط: الحرس الوطني يتمركز في الأقاليم، لكنه يخضع للقيادة الفيدرالية لا للحكام. وهنا أخالف النموذج الأمريكي عمداً، لأن القوات التي يتحكم فيها الحكام هي، في ظروفنا، مشروع مليشيات.
حكام الأقاليم ومجالسها منتخبون مباشرة، ولكل إقليم دستور في حدود الدستور الفيدرالي.
حالة الطوارئ محدودة: بمدة معينة، وبموافقة البرلمان، وتحت رقابة المحكمة الدستورية.
محكمة دستورية ومفوضيات مستقلة للانتخابات والمراجعة وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد، بموازنات محمية.
من يفعل ماذا؟
| المستوى | الاختصاصات |
|---|---|
| الفيدرالي | الدفاع والقوات المسلحة؛ الخارجية؛ العملة والبنك المركزي؛ الجنسية والهجرة والهوية الرقمية؛ القضاء الفيدرالي والمحكمة الدستورية؛ الجمارك والتجارة الخارجية؛ البنى القومية (السكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، والطرق القومية، وشبكة الكهرباء)؛ الضرائب الفيدرالية؛ مياه النيل؛ الإحصاء ومفوضية الانتخابات |
| الإقليمي | الشرطة والأمن الداخلي؛ التعليم العام والخدمات الصحية وفق معايير قومية؛ الزراعة والأراضي والمسارات الرعوية؛ الطرق الإقليمية؛ الاستثمار والتنمية في الإقليم؛ الضرائب الإقليمية؛ الثقافة واللغات؛ الخدمة المدنية الإقليمية؛ وكل ما لم يُنص عليه للمركز |
| المشترك | البيئة؛ ترخيص التعدين مع قسمة العائدات؛ إدارة الكوارث؛ التعليم العالي والبحث؛ الحماية الاجتماعية (تمويل فيدرالي وتنفيذ إقليمي) |
| المحلي | الخدمات البلدية؛ توزيع المياه والصرف الصحي؛ الأسواق؛ تشغيل المدارس الابتدائية والمراكز الصحية؛ الرسوم المحلية |
ثلاثة توضيحات
- لا حق في الانفصال. يقوم الدستور الدائم على وحدة السودان. وضمانة الأقاليم هي سلطاتها الواسعة وعدالة تقسيم الموارد وتمثيلها المتساوي في مجلس الشيوخ، وليس خيار التفكك.
- الترتيب الانتقالي مؤقت. السلطة الانتقالية (رئيس وزراء ومجلس سيادة شرفي) لإدارة الانتقال فقط، وتنتهي بدخول الدستور الدائم حيز التنفيذ.
- موقف أطرحه وليس قراراً أفرضه. أدخل الحوار الوطني بهذا الموقف معلناً، والكلمة الأخيرة للحوار ثم للشعب في الاستفتاء.
9.15 كيف نقيس الإصلاح؟
| المؤشر | اليوم (2026) | الشهر 36 | الشهر 96 |
|---|---|---|---|
| إعلان دستوري متوافق عليه | لا يوجد | نعم | دستور دائم مُجاز باستفتاء |
| سلطة تشريعية | لا توجد | مجلس انتقالي عامل | برلمان منتخب من مجلسين |
| الوحدات الإدارية العليا | 18 ولاية وإقليمان | 6 أقاليم | 6 أقاليم بحكومات ومجالس منتخبة |
| الوزارات الاتحادية | متغيرة ومتضخمة | 14–16 | عدد محدد دستورياً |
| أعضاء مجلس السيادة | 11 | 3 | رئاسة منتخبة |
| محكمة دستورية عاملة | لا | نعم | نعم |
| الخدمات الحكومية الرقمية | شبه معدومة | 40% | 90% |
| قانون حماية البيانات | لا يوجد | صادر | مطبّق ومراقَب |
| نشر تقارير ديوان المراجعة | لا | سنوياً | سنوياً وعلى بوابة مفتوحة |
| ترتيب السودان في مؤشرات الفساد الدولية | متدنٍ جداً | تحسن ملموس | ضمن النصف الأعلى أفريقياً |
| التعيينات العليا بمسابقات معلنة | شبه معدومة | 50% | 90% |
