عهد جديد

الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني

الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني

فهرس الرؤية

تقديم

  1. الفصل الأول: عن المؤلف

الجزء الأول: النداء

  1. الفصل الثاني: لماذا نحتاج إلى عهد جديد؟

الجزء الثاني: التشخيص

  1. الفصل الثالث: الواقع الراهن — كيف وصلنا إلى هنا

الجزء الثالث: الرؤية

  1. الفصل الرابع: السودان الذي نريد
  2. الفصل الخامس: المبادئ الاثنا عشر للعهد الجديد
  3. الفصل السادس: الثوابت ومساحات الحوار

الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني

  1. الفصل السابع: الحرب والسلام
  2. الفصل الثامن: الحوار الوطني السوداني–السوداني
  3. الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
  4. الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني
  5. الفصل الحادي عشر: خارطة طريق التحول المدني الديمقراطي (2027–2034)

الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة

  1. الفصل الثاني عشر: الاقتصاد
  2. الفصل الثالث عشر: التعليم والعلوم والتكنولوجيا
  3. الفصل الرابع عشر: الصحة وصحة البيئة
  4. الفصل الخامس عشر: القضايا الاجتماعية

الجزء السادس: السودان والعالم

  1. الفصل السادس عشر: السودان في أفريقيا
  2. الفصل السابع عشر: العلاقات الخارجية

الجزء السابع: الأسئلة الصعبة

  1. الفصل الثامن عشر: أسئلة صعبة وإجابات صريحة

الجزء الثامن: الميثاق والدعوة

  1. الفصل التاسع عشر: كتلة العهد الجديد — دعوة مفتوحة
  2. الخاتمة: الرهان الكبير

الملاحق

  1. الملحق الأول: الجدول الموحد للأهداف الكمية
  2. الملحق الثاني: جدول المسؤوليات والجهات المنفّذة
  3. الملحق الثالث: المؤتمرات القومية المقترحة
  4. الملحق الرابع: السيناريوهات الثلاثة وأثرها
  5. الملحق الخامس: المصطلحات والمفاهيم
  6. الملحق السادس: المصادر والمراجع
  7. الملحق السابع: خريطة الأقاليم الستة
  8. الملحق الثامن: ميثاق العهد الجديد — نص التوقيع
  9. الملحق التاسع: تقدير الكلفة ومصادر التمويل
  10. الملحق العاشر: دارفور وكردفان — إطار خاص
  11. الملحق الحادي عشر: الدخل الأساسي المضمون — التفاصيل
  12. الملحق الثاني عشر: الوثائق والمشاريع التشريعية المرافقة
  13. الملحق الثالث عشر: مؤشرات القياس القطاعية

لا يمكن أن تستقر دولة على أرض تتنازعها جيوش متعددة. إن احتكار الدولة للسلاح ليس خياراً سياسياً من بين خيارات أخرى، وإنما هو جزء من تعريف الدولة نفسها. وكل ما في هذه الرؤية من إعمار واقتصاد وتعليم وصحة مشروط بإنجاز ما في هذا الفصل.

10.1 من أين نبدأ

لقد رأينا في قراءة الواقع أن أزمة السودان الأمنية ليست طارئة: جيش سُيِّس عبر عقود، واقتصاد موازٍ في يد الأجهزة النظامية، ومليشيا صُنعت ثم قُنّنت، وأطراف أُهملت حتى صارت ثغرات. والحرب الحالية هي الحصيلة المنطقية لهذا كله.

لذلك لا يكفي أن نكسب الحرب أو أن نوقفها، وإنما المطلوب منظومة أمن ودفاع جديدة تمنع تكرارها. وأعرض في هذا الفصل هذه المنظومة في سبع خطوات مترابطة: العقيدة، ثم توحيد السلاح، ثم إعادة بناء الجيش، ثم انتشاره، ثم فصله عن الاقتصاد، ثم إصلاح بقية الأجهزة الأمنية، وأخيراً إخضاع ذلك كله لرقابة مدنية ديمقراطية.

10.2 العقيدة: جيش يدافع ولا يحكم

البيان الاستراتيجي: يبني السودان منظومة للأمن والدفاع الوطني الشامل تصون سيادته وتحمي حدوده وترسّخ سلامه الداخلي، تنطلق من عقيدة دفاعية خالصة، وتستند إلى جيش وطني واحد موحّد مهني خاضع للسلطة المدنية الديمقراطية.

وتقوم هذه العقيدة على ستة مبادئ:

  1. الدفاع وليس العدوان: لا يسعى السودان إلى الهيمنة على أحد. هدف قواته المسلحة الردع وحماية الحدود والسيادة.

  2. جيش واحد وعقيدة وطنية واحدة: لا تعدد في القوات المسلحة، ولا ولاء لغير الوطن والدستور.

  3. الخضوع للسلطة المدنية: تعمل الأجهزة العسكرية تحت إشراف حكومة مدنية وبرقابة برلمانية.

  4. جيش يشبه السودان: يعكس الجيش في قيادته وقاعدته تنوع السودانيين الجهوي والإثني والديني، ولا يعكس تفوق جهة أو طبقة.

  5. الأمن الشامل: الأمن يشمل الغذاء والاقتصاد والبيئة والفضاء الرقمي إلى جانب الأمن العسكري والشرطي والاستخباري.

  6. الردع الذكي وليس سباق التسلح: قدرة ردع حقيقية يتحملها الاقتصاد الوطني دون أن تستنزفه.

10.3 من تعدد السلاح إلى جيش واحد

هذه هي الخطوة الأصعب والأهم. وأضع لها ثلاث قواعد:

القاعدة الأولى: لا اعتراف بأي تشكيل مسلح خارج الجيش. لا في الدستور، ولا في اتفاقات السلام، ولا في الترتيبات الانتقالية. وقد دفعنا ثمن مخالفة هذه القاعدة حرباً كاملة.

القاعدة الثانية: الدمج أفراداً وليس كتلاً. كل القوات التي قاتلت إلى جانب الدولة (الاحتياط والمستنفرون وقوات الحركات الموقعة على اتفاقيات السلام وتشكيلات المقاومة الشعبية) تُدمج في الجيش الوطني، لكن بشروط:

القاعدة الثالثة: لا تشكيلات عقائدية أو حزبية داخل الدولة. برزت خلال الحرب تشكيلات ذات طابع أيديولوجي، أبرزها لواء البراء بن مالك. وموقفي منها مبدئي وليس ظرفياً: فارتباطها بمشروع سياسي أيديولوجي، وما يُنسب إلى بعض عناصرها من انتهاكات واعتقالات، يُضعف الدولة ويُحرجها أمام العالم وهي تخوض معركتها. لذلك أدعو إلى حلها، ومنع نشاطها السياسي والإعلامي ككيان، وتخيير منتسبيها بين الانضمام إلى الجيش أفراداً تحت عقيدته وحدها، أو الخروج من المنظومة المسلحة. والمعيار نفسه ينطبق على أي تشكيل مسلح على أساس حزبي أو أيديولوجي أو إثني، اليوم أو غداً.

وأرفض أطروحة «تعدد الجيوش ضمانة ضد الانقلاب». إن ما أوصلنا إلى الحرب هو تعدد الجيوش بالضبط. وما يحمي الديمقراطية ليس جيوشاً يردع بعضها بعضاً، وإنما الشعب والدستور والمؤسسات والأحزاب الديمقراطية والقيادة السياسية الراشدة. أما الاستشهاد بدول تتعدد فيها أفرع القوات النظامية، فمقارنة مضللة: هناك أفرع متعددة تحت قيادة مدنية واحدة وعقيدة واحدة، لا جيوش إثنية وحزبية بقياداتها المستقلة.

نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج

تعلّمنا تجارب رواندا وجنوب أفريقيا وليبيريا وسيراليون درسين: أن برامج التسريح تفشل حين لا تسبقها تسوية سياسية حقيقية، وأن المسرَّح الذي لا يجد عملاً يعود إلى السلاح. لذلك أتعامل مع هذا البرنامج بوصفه برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً بغطاء أمني، وليس عملية أمنية فقط. وله أربعة مسارات:

المسار لمن؟ ماذا يحصل؟
الدمج في الجيش من يستوفي شروط الجيش (السن، اللياقة، خلو السجل من الجرائم) تدريب موحد لا يقل عن 9 أشهر ثم رتبة مُعادَلة
الدمج في الأجهزة المدنية النظامية من يصلح للشرطة أو حرس الحدود أو الدفاع المدني تدريب مدني-أمني
العودة إلى الحياة المدنية الأغلبية منحة تأسيس، وتدريب مهني، وأرض زراعية أو رخصة تعدين منظمة، وتمويل صغير
المساءلة مرتكبو الجرائم الجسيمة لا دمج ولا عفو، بل مسار قضائي

الأهداف والكلفة: تسجيل 100 ألف مقاتل وتسريح أو دمج 50 ألفاً خلال أول 18 شهراً، والوصول إلى 160 ألفاً بنهاية الشهر 48. وتُقدَّر كلفة المرحلة الأولى بين 0.8 و1.2 مليار دولار، أتوقع أن يأتي نحو 90% منها من الشركاء الدوليين.

وشرط النجاح الأول: تجفيف اقتصاد الحرب. فلا أحد يتخلى عن السلاح إذا كان يكسب منه أكثر مما يكسب من السلام. ومصدر التمويل الأكبر للمليشيا هو الذهب، الذي يُهرَّب أغلبه. لذلك فإن إعادة الذهب إلى القنوات الرسمية، وضبط المعابر الغربية، وملاحقة شبكات التهريب دولياً، هي أهم عملية أمنية غير عسكرية في هذه الرؤية كلها.

10.4 إعادة بناء الجيش: أصغر وأحدث وأكثر احترافاً

الحجم والإنفاق

المؤشر الراهن 2029 (نهاية الانتقال) 2031 2034 (نهاية الولاية الأولى)
القوة البشرية الإجمالية للقوات المسلحة 385,000 (متشتتة) 350,000 300,000 300,000
الجيش النظامي 150,000 200,000 200,000 180,000
الحرس الوطني (احتياط) لا يوجد (والمليشيات نحو 235,000) 150,000 100,000 120,000
الإنفاق الدفاعي من الناتج نحو 8% ≤5% أثناء الحرب، و3% بعدها 3% 3%
التصنيف الدولي (Global Firepower) 77 65 50 40

(المصادر: تقديرات «استراتيجية الأمن والدفاع الوطني 2026–2036» التي أعددتُها للأرقام الراهنة، ومؤشر Global Firepower لعام 2024 للتصنيف؛ أما أرقام 2029 وما بعدها فأهداف تضعها الرؤية.)

قاعدة السقف الدفاعي المزدوج: يُسمح للإنفاق الدفاعي بأن يبلغ 5% من الناتج و25% من الإنفاق العام كحد أقصى طوال الحرب، ثم ينخفض إلى 3% من الناتج و15% من الإنفاق العام فور انتهائها، وليس تدريجياً. والسقف مزدوج لأن النسبة من الناتج وحدها تخدع: فحين ينكمش الناتج تبدو النسبة كبيرة والمبلغ ضئيلاً، وحين تضعف الإيرادات يبتلع الدفاع الموازنة وهو دون سقفه. فالحرب وحدها تبرر الاستثناء، وأي تمديد لإنفاق الحرب بعد انتهائها يصنع مصالح تدافع عن استمراره.

إن الرقم الحاسم في هذا الجدول ليس عدد الجنود، وإنما نسبة الإنفاق. فخفضها من المستوى الراهن إلى 5% يحرر نحو ثلاث نقاط مئوية من الناتج (أي مليارات الدولارات) للتعليم والصحة والبنى التحتية. هذا هو العائد الاقتصادي لإصلاح المؤسسة العسكرية.

الهيكل المستهدف

القوة / السلاح 2031 2034
القوات البرية 80,000 50,000
القوات الجوية والدفاع الجوي 20,000 25,000
القوات البحرية 20,000 25,000
القوات الخاصة 20,000 25,000
القوات الإلكترونية والسيبرانية 10,000 15,000
الاستخبارات العسكرية 10,000 5,000
الشرطة العسكرية 10,000 5,000
التصنيع الحربي والتسليح 10,000 10,000
السلاح الطبي والخدمات 10,000 10,000
سلاح المهندسين 10,000 10,000
الحرس الوطني (احتياط) 100,000 120,000
الإجمالي 300,000 300,000

ويعكس هذا الهيكل تحولاً مقصوداً: من جيش مشاة كبير إلى جيش أصغر بقدرات جوية وبحرية وتقنية أكبر.

جيش يشبه السودان

تكوّن الجيش تاريخياً في قاعدته من عموم السودانيين، وبتركيز أكبر على المناطق الأكثر تهميشاً، بينما جاءت قيادته في أغلبها من الشمال والوسط. وهذا خلل أنتج شرخاً بين القاعدة والقيادة. والعلاج:

تجديد القيادة

الصف القيادي الذي أشرف على المرحلة التي أنتجت الحرب لا يصلح لقيادة الإصلاح. والمسؤولية هنا مؤسسية وليست شخصية. لذلك أطرح تجديداً للقيادة العليا، وصعود قيادات أثبتت كفاءتها، بضوابط تمنع تحوّله إلى تصفية حسابات:

المعيار: أفضل جيش في أفريقيا

أضع هدفاً صريحاً: أن يصبح الجيش السوداني أفضل جيش في أفريقيا، ليس الأكبر حجماً أو الأكثر عتاداً، وإنما الأفضل في العقيدة والانضباط والحداثة والحرفية. والانضباط هو المعيار الأول: الالتزام بالقانون واللوائح في السلم والحرب معاً.

وأستفيد هنا من تجربتين: سويسرا في العقيدة الدفاعية الخالصة وتحويل الجغرافيا إلى قوة، وأوكرانيا في سرعة بناء القدرة العسكرية تحت الضغط.

التسليح الذكي والصناعة الدفاعية

أولويات الاستثمار بالترتيب: الطائرات المسيّرة، ثم الحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية، ثم الدفاع الجوي (وهو أوضح دروس الحرب الحالية) ثم الاستطلاع والاستخبارات التقنية.

وفي الصناعة الدفاعية: اكتفاء ذاتي بنسبة 80% من الذخائر الخفيفة والمتوسطة، وتصنيع المركبات المدرعة الخفيفة بشراكات تشترط نقل التكنولوجيا، وتوطين صناعة المسيّرات متوسطة المدى بوصفها المجال الأسرع والأنسب.

10.5 الانتشار: الدفاع بالعمق وجيش خارج المدن

مساحة السودان 1,861,484 كم²، وحدوده البرية مع سبع دول، وساحله على البحر الأحمر نحو 850 كم. هذه الجغرافيا إما أن تتحول إلى عمق دفاعي وميزة تفاوضية، وإما أن تبقى ثغرة مفتوحة من كل الاتجاهات. لذلك أعتمد مبدأ الدفاع المتعمّق في طبقات متداخلة:

  1. حرس الحدود: قوات متخصصة مهمتها السيطرة على الحدود ومنع التسلل وتهريب السلاح والذهب.

  2. الحاميات الحدودية: 22 حامية دائمة على المحاور الحساسة، لكل منها مرافق سكنية وطبية ومدرسية تخدم المجتمع المحيط بها.

  3. القواعد الإقليمية الخمس والفرق الموزعة عليها:

القاعدة المركز النطاق
الشمالية دنقلا / مروي الحدود المصرية والليبية
الشرقية كسلا / القضارف الحدود الإريترية والإثيوبية والساحل
الغربية الفاشر / الجنينة دارفور والحدود التشادية والليبية
قاعدة الجبال كادقلي جنوب كردفان وجبال النوبة
الجنوبية الدمازين / سنار النيل الأزرق وحدود جنوب السودان
  1. القوات الخاصة: فرق متخصصة في مكافحة الإرهاب والعمليات الصحراوية والبحرية والاستطلاع.

  2. الحرس الوطني (أدناه).

  3. مؤسسات الأمن الشامل: الاستخبارات والأمن السيبراني والدبلوماسية الأمنية.

إخراج الجيش من المدن. تُخلى الخرطوم وكل المدن من المعسكرات الكبرى، وتتحول الأراضي العسكرية المحرَّرة إلى مشاريع مدنية وخضراء. وهذا ليس إجراءً عمرانياً فحسب، وإنما هو أيضاً ضمانة ضد الانقلابات: فالجيش المتمركز حول مقر الحكم يميل إلى اختطافه. وتتولى الشرطة أمن المدن، ويتركز الجيش على الدفاع من قواعده في تخوم البلاد.

الحرس الوطني: احتياط منضبط وليس جيشاً ثانياً. هو قوة احتياطية على غرار الحرس الوطني الأمريكي مُكيَّفة للواقع السوداني، لها ثلاث وظائف: احتياط عسكري، وقوة طوارئ للكوارث، وقوة تنمية في إقليمها. ولكي لا يتكرر خطأ الدعم السريع، تُنص على ضوابطه دستورياً: يتبع وزارة الدفاع وحدها؛ ميزانيته ضمن ميزانية الدفاع وتحت رقابة ديوان المراجعة؛ تسليحه خفيف حصراً؛ قيادته في كل إقليم دورية ومن خارج الإقليم؛ ويُمنع من أي نشاط اقتصادي. والهدف 120 ألف عنصر بحلول 2034، بتوسع مشروط باكتمال هذه الضوابط.

10.6 فصل الجيش عن الاقتصاد

إنه لا يمكن إصلاح جيش يملك اقتصاداً موازياً. فالشركات المملوكة للأجهزة النظامية (نحو 250 شركة بدخل سنوي يقدَّر بملياري دولار) تخلق مصالح تقاوم الإصلاح، وتشوّه السوق، وتحرم الخزينة من موارد كبيرة. والخطة على خمس سنوات:

السنة الإجراء
الأولى تجميد التوسع فوراً، وحصر معلن لكل الشركات والأصول، وإلزامها بالتسجيل والإقرار الضريبي
الثانية نقل ملكية الشركات غير الحربية إلى وزارة المالية
الثالثة والرابعة بيعها بمناقصات علنية شفافة، ووضع العائد في صندوق سيادي لا في الموازنة الجارية
الخامسة لا يبقى في يد الجيش سوى التصنيع الحربي والخدمات اللوجستية العسكرية
باستمرار تدقيق كامل من ديوان المراجعة العام

وينطبق ذلك على شركات أجهزة الأمن والشرطة والحركات الموقعة على اتفاقيات السلام دون استثناء.

لكنني أميّز بين أمرين: أرفض أن يملك الجيش شركات وأن يمارس ضباطه التجارة، لكنني أدعو إلى أن يساهم الجنود في السلم بالعمل الإسنادي في البنى التحتية والزراعة في مناطق تمركزهم، خصوصاً في المناطق الحدودية قليلة السكان. فالحامية التي تبني طريقاً وتحفر بئراً تصنع لنفسها شرعية لا تصنعها البنادق.

10.7 إصلاح منظومة الأمن الأوسع

الشرطة: شرطة إقليمية ومحلية تحت إشراف السلطات المنتخبة، وجهاز اتحادي محدود الاختصاص؛ رقابة قضائية وبرلمانية وآلية شكاوى مستقلة؛ رقمنة البلاغات والسجلات؛ تدريب إلزامي على حقوق الإنسان شرطاً للترقي؛ رواتب عادلة، فالشرطي الجائع مصدر فساد؛ وحل شرطة النظام العام وكل الأجهزة ذات الطابع الأخلاقي-العقائدي نهائياً.

الاستخبارات: فصل الاستخبارات الخارجية عن المباحث الداخلية؛ ونزع صلاحيات الاعتقال والاحتجاز من جهاز الاستخبارات نهائياً، لتقتصر وظيفته على جمع المعلومات وتحليلها؛ ورقابة لجنة برلمانية سرية؛ وحظر النشاط الاقتصادي والتوظيف الحزبي.

الأمن السيبراني: حماية البنية التحتية الحيوية (الكهرباء والمياه والبنوك والاتصالات والسجل المدني)، وبناء قدرة عسكرية سيبرانية، ووحدة لرصد التضليل الرقمي. فلا رقمنة بلا أمن سيبراني.

مواجهة الحرب الحديثة متعددة الأبعاد. عاش السودان حرباً تمتزج فيها المليشيا المسلحة بالتمويل الخارجي والحملات الإعلامية والضغط الدبلوماسي وحرب المعلومات. والرد لا يكون عسكرياً فقط، بل بخمس أدوات: الشفافية التي تغلق باب الاختراق؛ وإعلام وطني مستقل يواجه التضليل بالمعلومة؛ وسياسات دامجة تغلق الشقوق التي يستغلها الخارج، فالتهميش هو أكبر ثغرة أمنية؛ ودبلوماسية نشطة توثق التدخلات وتعرضها بأدوات القانون؛ وأجهزة استخبارات وقوات خاصة تفكك شبكات التجنيد والتمويل والتهريب.

10.8 الرقابة المدنية الديمقراطية

إن الرقابة المدنية هي الضمانة الحقيقية الوحيدة ضد تكرار الانقلابات. لذلك لا أتركها للممارسة، وإنما أقترح تثبيتها في الدستور:

الآلية التصميم الغاية
مجلس الأمن القومي برئاسة رأس السلطة التنفيذية المدنية، مع وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية، وقائد الجيش عضواً غير مصوِّت القرار الأمني للمدنيين
القائد الأعلى للقوات المسلحة رأس السلطة التنفيذية المدنية إنهاء الانقلابات قانونياً
التعيينات العسكرية الكبرى بتوصية الجيش وموافقة البرلمان منع القيادة من إعادة إنتاج نفسها
وزير الدفاع مدني في كل الأحوال فصل الإدارة عن القيادة الميدانية
لجنة الأمن القومي البرلمانية صلاحية الاستجواب وتدقيق الميزانية، وجلسات سرية للملفات الحساسة مساءلة فعلية
ديوان المظالم العسكري هيئة مستقلة للشكاوى والانتهاكات حماية الجندي والمواطن معاً
القضاء العسكري مستقل عن القيادة، ويخضع للمراجعة القضائية المدنية في الجرائم الكبرى دولة القانون داخل المؤسسة
شفافية الميزانية الدفاعية نشر أرقامها الرئيسية سنوياً، وتدقيق كامل من ديوان المراجعة الرقابة الشعبية ومكافحة الفساد

مجلس الأمن والدفاع الوطني هو الجهة التي تجمع القرار الأمني: هيئة دستورية تحقق توازناً مدنياً–عسكرياً مؤقتاً خلال الانتقال، ثم تتحول في الدولة الدائمة إلى مجلس أمن قومي برئاسة الرئيس المنتخب، يكون العسكريون فيه أعضاء غير مصوّتين.

نصوص دستورية أقترحها:

  1. الانقلاب العسكري جريمة لا تسقط بالتقادم، عقوبتها السجن المؤبد، ولا يشملها عفو أو تسوية.

  2. الإنفاق الدفاعي لا يتجاوز 3% من الناتج ولا 15% من الإنفاق العام في السلم، ويجوز رفعه في حرب معلنة حتى 5% من الناتج و25% من الإنفاق العام بموافقة ثلثي البرلمان، ويعود السقف تلقائياً بانتهاء الحرب.

  3. وزير الدفاع مدني بنص صريح.

  4. حظر أي تشكيل مسلح خارج إطار الدولة تحت أي مسمى.

  5. حظر النشاط الاقتصادي على كل الأجهزة العسكرية والأمنية.

  6. حياد القوات المسلحة وحظر النشاط الحزبي داخلها.

10.9 التنفيذ والكلفة وشروط النجاح

الفترة الأولويات المؤشرات الكلفة المقدّرة
الأشهر 1–18 قانون جديد للقوات المسلحة؛ مجلس أمن قومي منتظم؛ تسجيل 100 ألف مقاتل؛ تجميد وحصر الشركات العسكرية؛ الوحدة السيبرانية الأولى قيادة موحدة؛ خفض 60% من التشكيلات غير النظامية؛ 50 ألف مسرَّح أو مدموج؛ بدء بناء قاعدتين إقليميتين 3.5–5 مليارات دولار
الأشهر 19–48 اكتمال القواعد الخمس والحاميات؛ جيش نظامي موحد من 200 ألف؛ أسطول مسيّرات؛ إصلاح الشرطة وحرس الحدود؛ اكتمال الخروج من الاقتصاد إنفاق دفاعي 5%؛ 160 ألف مسرَّح أو مدموج؛ رقابة مدنية كاملة 18–24 مليار دولار
الأشهر 49–96 الحرس الوطني 120 ألفاً؛ قيادة سيبرانية متكاملة؛ اتفاقيات دفاع أفريقية تصنيف دولي نحو 40؛ إنفاق 5% 22–30 مليار دولار

السيناريوهات. في الاتفاق الشامل (وهو ما تستهدفه هذه الرؤية) يُدمج 60% من التشكيلات في المرحلة الأولى. وفي التقدم التدريجي، باتفاق هش يوقف المعارك الكبرى، يُدمج نحو 40%، وهو تحسن جوهري رغم ذلك: فالكمال ليس شرطاً للتقدم. وفي استمرار الحرب، تصبح الأولوية حماية المناطق المستقرة وبناء نموذج حكم ناجح فيها يجذب بقية البلاد.

وأقولها بوضوح: إن ما في هذا الفصل لا يمكن تنفيذه بقرار عسكري أو إداري. شروطه ثلاثة: تسوية سياسية تنهي الحرب بضمانات، وتوافق وطني يُخرج الإصلاح الأمني من دائرة الصراع السياسي، ودعم دولي لبرامج إصلاح قطاع الأمن مشروط بالتحول الديمقراطي. وبدون ذلك تبقى أفضل استراتيجية دفاعية حبراً على ورق.

وقّع الميثاق تحميل الرؤية