الفصل الثاني: لماذا نحتاج إلى عهد جديد؟
فهرس الرؤية
تقديم
الجزء الأول: النداء
الجزء الثاني: التشخيص
الجزء الثالث: الرؤية
- الفصل الرابع: السودان الذي نريد
- الفصل الخامس: المبادئ الاثنا عشر للعهد الجديد
- الفصل السادس: الثوابت ومساحات الحوار
الجزء الرابع: الطريق — من الحرب إلى السلم والتعافي الوطني
- الفصل السابع: الحرب والسلام
- الفصل الثامن: الحوار الوطني السوداني–السوداني
- الفصل التاسع: النظام الدستوري وإصلاح الدولة
- الفصل العاشر: الأمن والدفاع الوطني
- الفصل الحادي عشر: خارطة طريق التحول المدني الديمقراطي (2027–2034)
الجزء الخامس: البناء — من الانهيار إلى النهضة
- الفصل الثاني عشر: الاقتصاد
- الفصل الثالث عشر: التعليم والعلوم والتكنولوجيا
- الفصل الرابع عشر: الصحة وصحة البيئة
- الفصل الخامس عشر: القضايا الاجتماعية
الجزء السادس: السودان والعالم
الجزء السابع: الأسئلة الصعبة
الجزء الثامن: الميثاق والدعوة
الملاحق
- الملحق الأول: الجدول الموحد للأهداف الكمية
- الملحق الثاني: جدول المسؤوليات والجهات المنفّذة
- الملحق الثالث: المؤتمرات القومية المقترحة
- الملحق الرابع: السيناريوهات الثلاثة وأثرها
- الملحق الخامس: المصطلحات والمفاهيم
- الملحق السادس: المصادر والمراجع
- الملحق السابع: خريطة الأقاليم الستة
- الملحق الثامن: ميثاق العهد الجديد — نص التوقيع
- الملحق التاسع: تقدير الكلفة ومصادر التمويل
- الملحق العاشر: دارفور وكردفان — إطار خاص
- الملحق الحادي عشر: الدخل الأساسي المضمون — التفاصيل
- الملحق الثاني عشر: الوثائق والمشاريع التشريعية المرافقة
- الملحق الثالث عشر: مؤشرات القياس القطاعية
لم تعد المسألة في السودان مسألة حكومة تسقط وأخرى تأتي. لقد وصلت البلاد إلى نقطة لا يمكن عندها العودة إلى قواعد اللعبة القديمة: فالدولة القديمة فشلت، والحرب كشفت فشلها، وإعادة إنتاجها ستعيد إنتاج الحرب. المطلوب ليس وقف الحرب فقط، بل تأسيس عهد سياسي جديد.
2.1 نهاية مرحلة
عاش السودان سبعين عاماً في دائرة مغلقة: حكم مدني ضعيف، ثم انقلاب، ثم انتفاضة، ثم فترة انتقالية قصيرة، ثم انقلاب جديد. وفي كل دورة كانت الأزمة تعود أكبر مما كانت. وجاءت حرب أبريل 2023 لتقول ما لم يعد ممكناً إنكاره: هذه الدولة، بالطريقة التي بُنيت بها، لا تستطيع أن تحمي مواطنيها، ولا أن توحّدهم، ولا أن تمنع انهيارها.
لكن كل نهاية هي أيضاً فرصة بداية جديدة. فالانهيار الذي نعيشه أسقط الأوهام القديمة كلها: وهم أن مليشيا يمكن أن تكون شريكاً في بناء الدولة، ووهم أن الخرطوم يمكن أن تحكم السودان وحدها، ووهم أن تقاسم السلطة بين النخب يصنع سلاماً. وهذه الأوهام، حين سقطت، تفتح الباب أمام اتفاق جديد.
2.2 خمسة أسئلة ينبغي الإجابة عنها
لماذا لم تنجح محاولات السلام السابقة؟ لأنها عالجت جانباً من الأزمة وتركت الباقي. فاتفاقيات أديس أبابا 1972، ونيفاشا 2005، والدوحة 2011، وجوبا 2020، كانت كلها صفقات بين من يحملون السلاح، تقاسموا فيها المناصب، وتركوا بنية الدولة التي أنتجت الحرب كما هي. فعادت الحرب في كل مرة.
لماذا لا يكفي الانتصار العسكري؟ لأن السلاح يستطيع أن يوقف تمرداً، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة عادلة. فإذا انتصرت الدولة عسكرياً وبقي التهميش والفساد والمركزية كما هي، فستولد كالعنقاء من الرماد حروب جديدة بعد سنوات. الحسم العسكري قد يكون ضرورياً، لكنه ليس كافياً.
لماذا لا تكفي حكومة انتقالية تقليدية؟ لأننا جرّبناها. فالحكومات الانتقالية بعد 1964 و1985 و2019 أعادت إنتاج القديم، أو تقاسمت السلطة مع من أفسدوا البلاد، أو طالت حتى صنعت مصالح تدافع عن بقائها. والمطلوب حكومة تعافٍ وطني محددة المهام محدودة الزمن، تعمل وفق رؤية متفق عليها، وتسلّم السلطة لمن ينتخبهم الشعب.
لماذا لا يكفي تغيير الأشخاص؟ لأن الخلل في التصميم لا في الوجوه. فقد تغيّر الحكام في السودان مرات كثيرة، وبقيت الدولة مركزية، وبقي السلاح متعدداً، وبقي الاقتصاد في يد قلة، وبقي سكان الأطراف مهمشين. ومن يعدنا بالإصلاح عبر تغيير الأشخاص وحده يعدنا بتكرار التجربة.
لماذا نحتاج إلى اتفاق وطني جديد حول الدولة؟ لأن السودانيين لم يتفقوا يوماً، بصورة جامعة، على الأسئلة الكبرى التي تواجههم: أي دولة نريد؟ كيف نتقاسم السلطة والثروة؟ ما علاقة الدين بالدولة؟ ما دور الجيش؟ كيف نحكم أنفسنا في أقاليمنا؟ وكان كل خلاف مؤجل حول هذه الأسئلة يتحول إلى صراع مسلح لاحقاً. العهد الجديد الذي أطرحه هو اتفاق على هذه الأسس، قبل الاتفاق على من يحكم.
2.3 إلى من أتوجه؟
أتوجه بهذه الرؤية إلى كل السودانيين، لكنني أخاطب تحديداً أربع دوائر:
القوى السياسية والمدنية والعسكرية القادرة على أن تتوافق على حكومة تعافٍ وطني وعلى قواعد الانتقال: الأحزاب، والحركات التي قبلت بالدولة المدنية، والنقابات، والمنظمات الفئوية، والمجتمع المدني، وقيادة الجيش والأجهزة النظامية.
المجتمع السوداني الذي يريد الخروج من الحرب: النازحون واللاجئون، والنساء، والشباب، والمزارعون والرعاة، والعمال، وأهل المدن المدمرة والقرى المنسية.
القوى الاقتصادية والمهنية التي تستطيع إعادة تشغيل البلاد: رجال الأعمال والمنتجون، والأطباء والمهندسون والمعلمون، والكفاءات في الداخل.
السودانيون في المهجر، والشركاء الأفارقة والدوليون، الذين يستطيعون دعم التحول بالخبرة والمال والموقف السياسي.
2.4 من برنامج 2017 إلى رؤية 2026
لقد صغتُ النسخة الأولى من برنامجي السياسي بإسم سودان المستقبل في عام 2017، لسودان كانت فيه الدولة قائمة وإن كانت فاسدة ومأزومة. أما اليوم، فالبلاد في حالة حرب، والدولة شبه منهارة، وملايين الناس خارج بيوتهم. لذلك لم يكن ممكناً تعديل البرنامج القديم؛ بل كان لا بد من إعادة التفكير فيه من الأساس. ولكن بقي الكثير منه مما لم يتغير: الحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية، وجيش وطني واحد، واقتصاد منتج، ومواطنة متساوية. وقد جمعتُ في هذه الرؤية خلاصة ما كتبتُه وطرحتُه خلال عقد كامل، وما تعلّمته من أخطائي وأخطاء الآخرين.
2.5 ما الذي تغيّر فعلياً
يمكن تلخيص التحول الذي تم في هذه التسع سنوات في سبع نقاط، كل واحدة منها تفرض تعديلاً في السياسات:
1. انهيار احتكار الدولة للقوة المسلحة. لم يعد السودان دولة بجيش واحد، بل ساحة تتنازعها تشكيلات مسلحة متعددة. هذا يجعل ملف الأمن والدفاع — الذي كان في البرنامج القديم فصلاً ضمن فصول — أولوية وشرطاً مسبقاً لكل ما عداه.
2. تحوّل الصراع الداخلي إلى صراع بالوكالة. إن التدخل الخارجي لم يعد عاملاً مؤثراً بل عاملاً مُشكِّلاً للصراع في السودان. إن أي برنامج لا يضع استراتيجية للتعامل مع التدخل الإقليمي وممارسة الحرب والسياسة بالوكالة هو برنامج ناقص بنيوياً.
3. أكبر أزمة نزوح في العالم. لقد أصبح الملايين من السودانيين خارج بيوتهم ومناطقهم، داخلياً وخارجياً. هذا يحوّل ملف النازحين واللاجئين من ملف إغاثي إلى ملف سياسي ودستوري وانتخابي وتنموي في آن واحد.
4. تدمير العاصمة المثلثة. إن تدمير العاصمة الخرطوم وانتقال ثقل الدولة إلى بورتسودان يطرح سؤالاً كان مؤجلاً منذ الاستقلال: هل نُعيد بناء المركز كما كان، أم نُعيد تصميم العلاقة بين المركز والأقاليم من أساسها؟
5. انهيار المنظومة الصحية والتعليمية في مناطق واسعة. لقد دفعت الحرب بجيل كامل خارج المدرسة، بينما تبقى المستشفيات معطلة، ومعظم الكوادر المهنية مهاجرة. هذا ينقل التعليم والصحة من باب «الخدمات» إلى باب الطوارئ الوطنية.
6. انهيار العملة والإنتاج والميزانية. لم يعد الاقتصاد يحتاج «إصلاحاً» هامشياً، بل إنعاشاً ضرورياً ثم إعادة بناء، بمنطق اقتصاد ما بعد الحرب لا بمنطق نظريات التنمية العادية.
7. تغيّر خارطة العالم. إن صعود التكتلات الجديدة (البريكس مثلاً)، والحروب الإقليمية ( أوكرانيا وإيران مثلاً)، وتراجع النظام أحادي القطبية، وتوسع الاتحاد الأفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية، والثورة الصناعية الرابعة، يخلق تحديات وفرصاً لم تكن بهذا الوضوح في عام 2017.
2.6 ما الذي لم يتغيّر
رغم كل ذلك، هناك في برنامجي القديم ما أرفض تغييره لأنه ثابت قيمي لا يخضع للظروف:
- المواطنة المتساوية أساساً وحيداً لبناء الدولة، بلا تمييز بسبب النوع أو الجهة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
- الديمقراطية الليبرالية نظاماً للحكم، والانتخابات آليةً وحيدة لتداول السلطة.
- الفيدرالية الواسعة والحكم المحلي وتنزيل السلطة قاعدياً.
- اقتصاد السوق الاجتماعي وبناء «مجتمع من المالكين والمنتجين».
- مدنية الدولة وحيادها تجاه الأديان واحترام حرية الاعتقاد والممارسة للجميع.
- الانتماء الأفريقي للسودان بوصفه هوية وموقعاً ومصلحة، وليس شعاراً.
- السلم الأهلي وتعاون المكونات الاجتماعية بدلاً من صراعها.
إن هذه الصياغة الجديدة تُغيّر السياسات والأولويات والتسلسل، ولا تُغيّر القيم والمبادئ الحاكمة.
2.7 على ماذا تستند هذه الرؤية؟
اعتمدتُ في إعادة الصياغة وإنتاج هذه الرؤية على التالي:
برنامج سودان المستقبل 2017
الأوراق القطاعية لحملة سودان المستقبل المنتجة بين 2017 و2026: أوراق الطاقة، المياه، التعليم، النازحين واللاجئين، اللغات القومية، الثورة الصناعية الرابعة، ممرات النمو الزراعي الصناعي، وزارة الإصلاح المؤسسي، الحكومة الرقمية.
الوثائق الاستراتيجية الكبرى التي أعددتها: مثل استراتيجية الأمن والدفاع الوطني 2026–2036، واستراتيجية السياسة الخارجية، وورقة إعادة هيكلة القوات المسلحة (2021)، وسلسلة «نحو نظرية سودانية في الأمن الوطني الشامل».
الأوراق السياسية النقدية التي طورتها خلال الفترة 2019–2026: قضايا الفترة الانتقالية، تقييم الأحزاب والتحالفات السياسية، المقترحات حول تكوين الحكومة المدنية، أزمة الحكم، تمرد المليشيا، الحرب وتداعياتها، التدخلات الخارجية ودورها، أمن البحر الأحمر ومنطقة الساحل ،قضايا إصلاح ودعم الدولة، وقضايا معاش الناس.
المسودات الدستورية التي أعددتُها: الدستور الانتقالي 2021، ومسودة الإعلان الدستوري الانتقالي 2025.
دراسة التجارب المقارنة في التحول المدني والديمقراطي بعد الحروب الأهلية والديكتاتوريات: رواندا، جنوب أفريقيا، ليبيريا، سيراليون، كولومبيا، بولندا ( في التحول السياسي والاقتصادي) و إستونيا (في التحول الرقمي)، وتجارب الحكومات الانتقالية المصنّفة عند شاين ولينز.
2.8 كيف تُقرأ هذه الرؤية؟
تتكون رؤية «عهد جديد» من ثلاثة مستويات:
- الميثاق: نص قصير بصيغة جماعية «نحن الموقعين»، يضم المبادئ والالتزامات التي يمكن أن يوقع عليها أي حزب أو منظمة أو فرد يشارك القناعة بما ورد في الرؤية. وهو شرط الانضمام إلى كتلة وتيار العهد الجديد.
- الرؤية: هذا الكتاب، الذي أكتبه مساهمةً شخصية مؤسِّسة مطروحة للحوار. وهو يشرح لماذا وصلنا إلى هنا، وأي سودان نريد، وكيف نصل إليه. والموافقة على كل تفاصيله ليست شرطاً للانضمام للعهد الجديد.
- الأوراق التفصيلية المرافقة: وتشمل الدراسات القطاعية ومشاريع القوانين الخ، التي تُطرح للنقاش المتخصص.
لأن المطلوب هو الاتفاق على الاتجاه، وليس على كل خطوة في الطريق.
وتمتد الرؤية ثماني سنوات، من الأول من يناير 2027 إلى نهاية 2034: أي طوال فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاث سنوات (والهدف 30 شهراً) تقودها حكومة تعافٍ وطني، ثم فترة ولاية منتخبة أولى مدتها خمس سنوات. وتتكون الرؤية من ثمانية أجزاء: النداء، ثم التشخيص، ثم الرؤية، ثم الطريق، ثم البناء، ثم السودان والعالم، ثم الأسئلة الصعبة، وأخيراً الميثاق والدعوة.
كيف تُقرأ الأرقام في هذه الرؤية؟ تتضمن الرؤية أرقاماً كثيرة، وهي ليست من نوع واحد. ولذلك أميّز بين ثلاثة أنواع منها:
- الأرقام الموثّقة: وهي المأخوذة من مصادر معلنة، كالبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، وأذكر مصدرها وسنتها بجانبها كلما أمكن، مثل «(البنك الدولي، أبريل 2026)».
- التقديرات: وهي أرقام لا تتوفر لها بيانات رسمية موثوقة في ظروف الحرب، فأعتمد فيها على دراسات سابقة أو على حسابي الخاص، وأسبقها بكلمات مثل «نحو» أو «يُقدَّر»، وأشير إلى أنها تحتاج إلى تحقق.
- الأهداف: وهي ما تسعى الرؤية إلى بلوغه، وتظهر أساساً في جداول المؤشرات. وأميّز فيها بين التزامات تنفيذية تملك الحكومة أن تنفذها بقرارها، مثل إصدار قانون أو إنشاء مؤسسة، ونتائج مستهدفة تعتمد على سلسلة طويلة من الشروط، مثل معدلات النمو أو الالتحاق بالمدارس.
إن هذا التمييز ليس تفصيلاً فنياً، وإنما هو جزء من الصدق مع القارئ: فمن حقه أن يعرف ما هو ثابت، وما هو تقدير قابل للمراجعة، وما هو طموح نعمل لتحقيقه.
